ماري هي ابنة ملك النمسا وزوجة لويس السادس عشر، والتي تزوجته زواجًا سياسيًّا؛ ليجمع التحالف بين فرنسا والنمسا، ولم تكن العاطفة تجمع كليهما طوال حياتهما، حتى بعد أن أنجبت له أربعة أبناء، ومر خمسة عشر عامًا.. عاشا شبه منفصلين عن بعضهما بعضًا، لا يجمعهما رباط المودة حتى يجمعهما مخدع واحد.

وتلك السنوات كانت كفيلة بأن يُروج حول ماري، ما يشوه صورتها في التاريخ، بين اتهامات بالخيانة واتهامات بالسذاجة وعدم المبالاة بمصالح الرعايا. ثم نأتي نحن لنقول: أين الحقيقة؟ إنَّ لكل تلك الاتهامات دافعها سياسي – وكما تعلم – نادرًا ما تجتمع الحقيقة والسياسة تحت سقف واحد.

البداية:

أثناء «ثورة اليعقوبيين» الساعين وراء سقوط الملكية وإعلاء راية الجمهورية الخفاقة، لابد من نجاح مثل تلك الثورات بالاعتماد على «التشهير والأخبار المكذوبة»، وذلك حتى يتم تحريك الجماهير للإطاحة بأي عقيدة أو حتى حكومة معينة، فلابد من التشهير بتلك الفكرة من خلال الشخص المُمثل لها بأخبار تكاد أن تكون مُلفقة – وما أحلاها لو كانت تشهيرات أخلاقية – وهذا ما حدث مع «ماري أنطوانيت».

1-فتم طعنها بأنها على علاقة جنسية بالكاردينال الأعمى «دي روهان» وهو شخصية اجتماعية مرموقة على المستويين السياسي والديني، ثم تم طعنها بواسطة «نابليون بونابرت» على أن الفارس السويدي «أكسيل دي فرسن» على علاقة معها؛ إذ أشاعوا أنها كلما جاء الليل انسلت من فراش زوجها إلى أحضان «فرسن».

2-وأشاعوا عنها أيضًا أنه مع زيادة موجات الإضراب والجمهرة الثورية بسبب سوء الأحوال الاقتصادية، كانت غير مبالية لغضب العامة من انتفاضتهم لأجل الخبز، فقالت: «لماذا لا يأكلون الكرواسون والكيك»، ولفقوا لها أنها أمرت بإعداد عُقد ألماس خصيصًا لها رغم ما تمر به البلاد من أزمات!

عليك أولًا: قبل إصدار الحُكم أن تنظر إلى ماري أنطوانيت جيدًا ولسيرتها التاريخية التي سجلها العديد من المؤرخين، ومن أشهرهم ستيفان زَفايغ في روايته التاريخية والتي تحمل اسم «ماري انطوانيت». ثانيًا: عليك أن تطرح سؤالًا حول ما ستقرأه وتجمعه من أخبار متناقضة عنها، وتقول: من هي ماري أنطوانيت؟

الحقيقة:

ماري أنطوانيت.. مثال حي في التاريخ لضحايا البروباجندا السياسية التي يُروجها أعداء فكرةٍ ما أو نظام ما، لينتقموا منه أمام العامة، والعامة بطبيعة الحال تنقاد للمُنتصر الأقوى، فما حدث معها حدث كثيرًا وكثيرًا مع سيدات كثيرات مر عليهن التاريخ، ولم يُبق منهن إلا تلك الجراح التي سطرتها الخلافات السياسية. وعهد ماري ليس بالبعيد جدًا مقارنة بعهد امرأة مثل كليوباترا، التي روج أوكتافيوس عنها بروباجندا تشهيرية تصفها بالمرأة الجميلة التي تفتن الرجال بجمالها، ولخصّها بكلمة «العاهرة» ([1])، وظلت تلك المواصفات لصيقة بكليوباترا إلى يومنا هذا، وتأثر بها الكثيرون مثل شكسبير في مسرحيته «أنطونيو وكليوباترا»، وقلة من الكُتاب هم من أنصفوها، مثل أحمد شوقي في مسرحية «مصرع كليوباترا»، عندما وصفها بالبطلة الشعبية المُحبة لأرضها، والحاكمة الشجاعة التي ظلمها التاريخ.

الحال نفسه مع شخصية «ماري»، فقلَّ من يُنصفها، فقد لصقت بها تلك الأوصاف التي أشاعها الجمهوريون لتدنيس ذكراها انتقامًا من الملكية، فقال نابليون بونابرت عنها بعد موتها بستة أعوام، عندما رفض مُقابلة مندوب السويد فرسن مُعللا سبب رفضه: «لأنه نام مع ملكة فرنسا» ([2]). فالتصقت تلك التهمة أبد الدهر بالمرأة.

وللرد على مثل تلك الاتهامات؛ نبدأ بالتهمة الأولى وهي علاقتها بالكاردينال الأعمى «دي روهان»، فهل كانت هناك علاقة تجمع بين الاثنين؟ كل الحقائق تُثبت عكس ذلك، بل وتُثبت أن ماري كانت شديد الكره والبُغض لذلك الشخص، وأنه حاول كسب ثقتها وعطفها، فقامت الكونتيسة «دي فالو» والتي ادعت صداقة الملكة بتزوير رسالة إرضاءً لزوجها الطامع في مناصب رفيعة من خلال ذلك الكاردينال الأعمى، غير أن ماري كانت تُعيق ذلك، وكانت فحوى الرسالة كالآتي: «إنني شديدة السرور، إذ لم أعد أرى فيك مُذنبًا، وأنني لا أستطيع منحك المُقابلة التي ترغب فيها، وعندما تسنح الفُرصة، فسوف أوعز بإخبارك، كن مُتكتمًا..» ، ثم تمضي الأيام وتزور «دي فالو» الكردينال الأعمى مُدعية أنها هي ماري، ويُهديها عُقدًا غالي الثمن امتنانًا لتلك الزيارة، فتصبح الحادثة لصيقة بماري، وتداول الناس خاصةً اليعقوبيين أن ماري على علاقة بالكاردينال الذي أهداها عقدًا لا مثيل له، والبلاد تمر بضائقة مادية عسيرة!

كان عليهم أن يطرحوا على أنفسهم بضعة أسئلة هنا؛ لماذا لم يظهر ذلك العقد أبدًا مع ماري بعد تلك الزيارة المزعومة؟ ولماذا لم يكن يُزين رقبتها أبدًا في المجالس والمحافل والزيارات أو حتى وهي بمفردها مع الوصيفات؟ ولو كانت ماري على علاقة بذلك الشخص فلماذا ظلت لباقي حياتها تبغضه حتى بعد تلك الرسالة ولا تذكر اسمه وتراه مُهملًا؟! والسؤال الأهم كيف لهم أن يتهموها بأكثر من اتهام في الوقت نفسه، ويقولون: بأنها كانت على علاقة بذلك الشخص وفي الوقت نفسه على علاقة بالفارس السويدي فرسن؟ فكيف جمعت بين الاثنين؟!

أما عن الاتهام الثاني بأنها كانت على علاقة بالفارس السويدي «فرسن»، فعلينا أولًا أن ننظر إلى طبيعة العلاقة التي جمعت بين ماري ولويس السادس عشر، فلم يكن هناك رابط حب يجمع بين الاثنين، لا من جانب لويس ولا من جانبها، بل وإن حياتهما الزوجية كانت شبه منتهية بعد أن أنجبت له الابن الرابع، وكانت قد تزوجته مُبكرًا دون حب أو شيء – فقط لتوطيد العلاقات النمساوية الفرنسية، وأنهما في أغلب الليالي لم يكونا يجتمعان تحت سقف واحد. فلابد لمثل تلك العلاقة أن تكون علاقة فاترة خامدة، وأن تكون ماري لم تعش قصة حب في حياتها إطلاقًا حتى ظهر ذلك الفارس السويدي الوسيم. عبر الأدلة يتضح أنها كانت على علاقة حب معه، وأن هناك رسائل بينهما، ولكن لا يوجد دليل على أنها استسلمت له ودعته يومًا إلى فراشها، إلا شهادة واحدة من إحدى وصيفاتها، وتلك الوصيفة هي نفسها التي كانت أن سرقت إحدى أثوابها للكونتيسة دي فالو لترتديها عند مُقابلة الكاردينال الأعمى حتى يُقبل ذيل الثوب فلا يجد اختلافًا([3])! فكيف تؤخذ شهادة امرئ واحد في مثل تلك القضايا الشائكة؟ خاصةً أن كانت امرأة تضمر في صدرها ولاءً لمن يشتري ذمتها بسعر بخس!

أما عن أن هناك رسائل كانت بين الاثنين، فنعم وبلا شك، ولكن هل تُعد تلك خيانة؟ الحقيقة ليست بخيانة، فزوجها لويس السادس عشر كان على علم بكل ذلك بشهادة المؤرخ سانت بريست: «لقد وجدت _ ماري _ طريقةً ملائمة لجعل زوجها يقبل علاقتها بالكونت فرسن» ([4])، وفرسن لم يُنكر تلك العلاقة بعد أن واجهه بها نابليون، ولكنه أنكر أن يكون هناك مخدع قد جمع كليهما، ستسأل: كيف بالملك لويس أن يرضى بذلك؟ الحقيقة أن لويس لم يكن يحب ماري ولا يراها حبيبةً أو زوجة، وإنما أداة لتلبية غرض معين ألا وهو إنجاب ولي العهد، وعلاقة فرسن بماري لم تبدأ إلا بعد قطع علاقة ماري مع لويس، أي بعد خمس عشرة سنة، فهي لم تذق طعم الحُب يومًا وزواجها كان صوريًّا، فليس بالعجيب أن تجد الحب في مكان آخر مع رجل آخر، ولكنه حب طاهر لا تشوبه دنسُ المَخادع، فماري لم تتنكر من رسائلها مع فرسن، وفرسن أيضًا، ولويس كان على علم بذلك، فهي صارت في عرف زمانها ووضعها شبه مُطلقة.. لكن الكنيسة لن تقبل بالطلاق.

وقد تقول: «بل توجد أدلة على أن هناك علاقة جسدية جمعت كليهما» . أي أدلة تلك، هل تقصد الرسائل التي كانت بينهما والتي بعضها إما مشطوب وإما منقول بطريقة غير صحيحة، فانظر معي لما قاله أحد المؤرخين وهو الدكتور حسن عُثمان في مجلة الرسالة: «والملكة (ماري أنطوانيت) من الشخصيات التاريخية التي دُست عليها رسائل لم تكتبها، وهذا مما يجعل عمل المؤرخ صعبًا. ولقد نُشرت مجموعات من رسائلها تحتوي على الصحيح والمزيف منها؛ ولجأ المزيفون إلى الاقتباس من رسائلها الصحيحة وتقليدها من حيث الخط والأسلوب، ولقد نُشرت مجموعة من هذه الرسائل في باريس عام 1858م. وهكذا لا يصل المؤرخ أحيانًا إلى رأي قاطع في صحة بعض الأصول التاريخية» ([5]). فرسائل ماري السياسية حُرفت فما بالك ما دون السياسية.

فماري قد روي عنها كثيرًا من التناقضات، حتى في داخل العمل الواحد ترى كمًّا من التناقضات لا حصر لها، ففي كتاب «ماري أنطوانيت» لستيفان زَفايغ تجد أن التناقضات طافحة من ثنايا الصفحات، فتارة يقول إنها مُتأنقة وتظهر في شكل اللامُبالية وغير المُكترثة بعواقب الأمور، وتارة يُشبهها بالبطلة الراقية الشُجاعة! إلا إن كان يُريد أن يجمع بين تلك التناقضات من ناحية سيكولوجية، كأن يقول: إن تلك التناقضات تعد مسار تحول في حياة ماري، بين حياتها الأولى قبل إنجاب ابنها الأول كانت شابة طائشة قليلًا، ولما تقدم بها العُمر بعد ابنها الرابع صارت أكثر نُضجًا وعلمًا.

الخُلاصة:

ولو افترضنا أن ما قيل عنها بأنها امرأة مُتعجرفة ساقطة مثلما قال الثوار وهم يُقدمونها للمقصلة: «ها هي الفاسقة أنطوانيت أخيرًا، إنها سوف تُصبح عما قليل جيفة أيها الأصدقاء» ([6])، وافترضنا بأنها خائنة ومُذنبة. فلماذا إذًا لم تعترف بذنبها وقت المُحاكمة؟ ولماذا كانت مُتجلدة وقت الإعدام؟ ولماذا لم تذرف الدموع على حالها؟ ولماذا الصبر الذي كان يعتريها وهم يذلونها بحلق شعرها؟ ولو كانت على تلك الدرجة من الوقاحة والجبروت، لماذا اعتذرت لأحد اليعقوبيين عندما داست على قدمه دون قصد وهي تصعد للمقصلة؟ ولو كانت مُتعجرفة بذلك الشكل الذي وصفوه، لماذا أبت الهروب وآثرت المواجهة والحُكم وظلت تحمي طفلها وتُدافع عن حقه في العرش؟ ألم يكن لها ترك ذلك التجلد والعناد الذي صاحبها لآخر رمق في حياتها، والدماء تُلطخ وجهها وثيابها جراء التعذيب، وتعترف بذلك الذنب أو حتى تذرف الدمع على حالها.. أما كان الأولى لها أن تبكي نفسها ولو بقليل حتى يعرفوا أنها صارت نادمة.

ولكن الجواب بسيط.. هل ستعترف بذنب لم تقترفه أساسًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد