إنني من هؤلاء الذين يعتقدون أن في العلم جمالًا رائعًا. إن العالِم في معمله ليس مجرد فنّي، إنه أيضًا طفل وُضع أمام خاصية طبيعية أذهلته مثل قصة خيالية. ويجب ألا نسمح بالاعتقاد أن كل التقدم العلمي يمكن اختزاله لمجرد آلية، ولا أعتقد أن روح المخاطرة ستختفي في عالمنا. فإذا رأيت أي شيء مليء بالحيوية حولي فإنه بالضبط روح المخاطرة التي تبدو غير قابلة للفهم. ماري كوري.

ولدت ماري كوري في وارسو عاصمة بولندا عام 1868، تلقت ماري تعليمًا عامًّا في المدارس المحلية، كما ساعدها أبوها البروفيسور فلاديسلاف سكلادوفسكي والذي كان يعمل مدرسًا للفيزياء في المدارس الثانوية على إعطائها بعضًا من التدريب العملي، ففي الرابعة من عمرها تحكي مانيا – تدليل لماري – عن وقفتها أول مرة مشدوهة أمام خزانة لوالدها يحتفظ فيها ببعض الأجهزة الخاصة بالفيزياء واصفة ما رأته فتقول «عدة أرفف تحمل أجهزة غريبة من الأنابيب الزجاجية والموازين الصغيرة وعيّنات من المعادن وكشّاف كهربي من دقائق الذهب».

في العام 1891 ذهبت ماري لباريس من أجل مواصلة دراستها في السوربون، حيث حصلت على درجة علمية في الفيزياء والرياضيات، وهناك التقت بأستاذ الفيزياء بيير كوري، والذي سرعان ما تزوجها ليكون رفيقها في الكفاح العلمي. تحكي ماري في رومانسية حالمة عن إحدى فترات حياتها أثناء عملها مع زوجها في المعمل لاستخلاص عنصر الراديوم المُشع فتقول «كنا سعداء جدًّا على الرغم من الظروف الصعبة التي كنا نعمل فيها. كنا نمضي يومنا في المعمل، ونتناول غالبًا وجبة بسيطة، وكانت تسود المخزن الرّث الخاص بنا سكينة عظيمة، وأحيانًا كنا نسير أثناء متابعتنا لعملية ما ونحن نتحدث عن عملنا وعن الحاضر والمستقبل، وعندما كنا نشعر بالبرد، كان يسعدنا تناول قدح من الشاي بجوار المدفأة. لقد كنا نعيش مأخوذين تمامًا كما لو كنا في حلم».

الإنجازات

حصلت ماري كوري في حياتها على العديد من الجوائز والشهادات الفخريّة من المجتمعات العلميّة على مستوى العالم في الطب والعلوم والقانون.

ولكن يعتبر أبرز ما حصلت عليه السيدة كوري جائزتي نوبل في الفيزياء والكيمياء، ففي العام 1903 حصلت ماري مناصفة مع زوجها بيير على نصف جائزة نوبل في الفيزياء لدراستهما ظاهرة النشاط الإشعاعي Radioactivity، والذي قام باكتشافه السيد بيكريل الحائز على النصف الآخر من الجائزة.

وضعت ماري كوري حجر الأساس من أجل فهم صحيح لظاهرة النشاط الإشعاعي، فمن خلال أبحاثها على عنصر اليورانيوم المُشع ادّعت كوري أن الإشعاع المنبعث منه يعتمد بشكل أساسي على بنيته الذّرية Atomic Structure، وعلى عدد الذرات، وليس على الشكل.

أما عن نوبل الثانية في الكيمياء فقد حصلت عليها في عام 1911، وذلك تقديرًا لجهودها في اكتشاف وفصل عنصرين مشعّين، وهما الراديوم، والبولونيوم؛ الأمر الذي أفسح المجال من أجل اكتشاف وفصل المزيد من العناصر الأخرى.

التّدهور الصحّي لماري

تتحدث ماري عن الوميض المشع للراديوم فتقول «في الليل.. يمكنك رؤية ظلال استضاءة باهتة من جميع الجوانب، وكان الوميض يبدو وكأنه معلق في الظلام؛ مما دفعنا بقوة وتشجيع، لقد كان في الحقيقة منظرًا رائعًا، كان مثل ضوء سحري».

طوال عملها على الراديوم، لم تكن ماري على علم بآثار التعرض للإشعاع على الجسم، حيث كانت في المختبر تضع أنابيب الراديوم في جيبها. بدأت تشك في الآثار السلبية للراديوم على الصحة عندما توفي أحد زملائها الباحثين بسبب مرض خبيث في الدم، ثم بعد بضع سنوات توفي مساعدها الشخصي بأمراض في الدم أيضًا.

طبقًا لمنظمة الصحة العالمية يمكن للإشعاع إذا تعدّى حدودًا معينة أن يُضعف وظائف الأنسجة والأعضاء، وأن يؤدي إلى آثار حادة، مثل احمرار الجلد، وفقدان الشعر، والحروق الإشعاعية.

وهناك احتمال أن يُحدث التعرض لكمية كبيرة من الإشعاع لفترات زمنيّة طويلة إلى تحويل الخلايا لخلايا سرطانية.

في العام 1932 كُسر معصمها واستغرقت في الشفاء وقتًا أطول بكثير مما ينبغي أن يكون، بعد ذلك أصبحت تلاحظ أن رؤيتها تتدهور، وأن هناك حروقًا بسبب الإشعاع على أناملها تصبح أكثر إيلامًا بمرور الوقت، إلى أن توفيت في الرابع من يوليو (تموز) عام 1934 بأنيميا فقر الدم Aplastic Anemia.

يبرز سؤال هنا هل كانت تعلم ماري بالآثار المدمرة للتعرض للإشعاع في وقت مبكر من حياتها؟

هل كانت تَعْلم؟

أشار بيير زوج ماري في مرحلة مبكرة من حياتهما سنة 1903 أثناء محاضرة ألقاها بمناسبة حصولهما على جائزة نوبل، مُعقّبًا على حادثة حرق حدثت لبيكيريل عندما وضع أنبوبة بها ملح الباريوم المشع في جيب معطفه قائلًا «في العلوم البيولوجية يبدو أن أشعة الراديوم ينتج عنها تأثيرات هامة تجري دراستها في الوقت الحالي.. وفي حالات معينة قد يصبح تأثيره خطيرًا. فإذا ترك شخص ما صندوقًا مصنوعًا من الخشب أو من الورق المقوّى يحتوي على أمبولات زجاجية بها بضع مليجرامات من أملاح الراديوم في جيبه فلن يلاحظ أي شيء بالمرة لحظتها، ولكن التعرض لمدة طويلة قدي يؤدي إلى الشلل والموت ويجب أن يحفظ الراديوم في صندوق سميك من الرصاص».

يمكن تفسير هذا التجاهل من قبل آل كوري للآثار الصحية المدمرة من التعرض المستمر للعناصر المشعة أنهم كانوا على علم بعدم وجود علاجات في ذلك الوقت للأمراض المصاحبة للتعرض للإشعاع، فربما هذا قد قاد ماري إلى تجاهل الأمر لعلمها التام بمصيرها المحتوم.

ولكن الكاتبة باربارا جولد سميث لها رأي آخر، ففي كتابها (هوس العبقرية) والتي تحكي فيه قصة حياة ماري كوري اعتقدت أن ما جعل ماري وزوجها يتجاهلان الشأن الصحي لهما هو حبهما لما يفعلان، تقول باربارا «وهناك سؤال يطرح نفسه مرارًا: كيف تستمر في الإنكار بهذا الإصرار؟ كيف استطاعوا أن يعرضوا أنفسهم وشركاءهم، وحتى ابنتهم الغالية للتأثير المدمر للإشعاع؟ الإجابة على ما أعتقد إنه الحب. لقد حجب هذا الحب عن ماري وبيير أن يروا الراديوم بالعين العلمية الباردة نفسها التي كانوا يرون بها أعمالهم الأخرى، وحتى عندما كانوا يحذرون من خطورة التعرض للراديوم فإن آل كوري كانوا يحتفظون بأنبوبة بها ملح للراديوم بجانب السرير ليشاهدوا توهجه الجميل قبل الاستغراق في النوم. وكانت ماري عندما تذكر الراديوم تقول «طفلي». وبجانب الحب كانت ماري لديها وبلا شك اعتقاد راسخ أن الاكتشافات العلمية العظيمة تتطلب التضحيات. وكان قد ترسخ في ذهنها منذ طفولتها نظرية أن الحرمان وعدم الالتفات للأمور الشخصية في سبيل خدمة الأهداف العظيمة من السمات النبيلة. وكان بيير يشاركها رأيها ولذلك نحوا جانبًا أو أهملوا أو حجبوا عن وعيهم الخطر الذي يواجهونه بسبب هذا الاكتشاف الذي تم بعد مجهود مضني».

هكذا، وبعد هذه الرحلة مع السيدة ماري العقل العلمي الكبير، يمكننا أن نرى كيف شكّلت أفكارًا بعيدة عن الصلابة العلمية مثل الحب والتضحية حجر الأساس في حياتها، وكيف كانت تلك الصفات هي الدافع والمحرّك الرئيس من أجل انطلاقها في ميدان العلم. وسنختم بمقولة آلبرت أينشتاين الذي يظهر فيها الجمال الخفي للعلم إذا تجرّد من المصالح والمنفعة المادية فيقول «العلم شيء رائع إذا لم نكن مضطريين لكسب عيشنا منه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد