ما أقسى الخيانة عندما تصدر من محب يفترض فيه الوفاء

تقول زوجة: اكتشفت أن زوجي يخونني على مواقع التواصل الاجتماعي، صدمت، بكيت بحرقة وكدت أفقد صوابي، لكني تمالكت نفسي ولم أخبر أحدًا، وفضلت عدم مواجهته بالموضوع، بيد أني قررت أن أثأر لأنوثتي المجروحة بطريقة لا يتوقعها، فتحت حسابًا باسم مستعار على مواقع التواصل، واستدرجته حتى صار متيمًا بحبي، ولا يستطيع أن يفطم نفسه عن التواصل معي، صرنا نتواصل كل الأوقات؛ في العمل، في البيت، بالليل والنهار يسمعني عذب الكلام. وعندما يراني في عالم الواقع يتجهم وجهه ولا ينطلق لسانه، رغم أني جميلة مهتمة بأناقتي، وأبلغ جهدي في توفير جو ملائم يتمناه كل زوج، غير أنه لا يعيرني أدنى اهتمام، ولا يأبه لوجودي، ولما بلغ به الحب مبلغه، وأيقنت أنه لم يعد يطيق الانفصال عني في الشات، أخبرته بأني لا يمكنني الاستمرار على هذا النحو، وعلينا أن ننهي العلاقة، أرعد وأزبد، ثم أخذ يستعطف لكني حسمت أمر الانسحاب، وكم استمتعت لحظتها لسماعي توسلاته؛ لكون تلك التي نفر منها في الواقع، هي نفسها التي قررت تركه بعد أن ملكت قلبه وحياته في العالم الافتراضي.

كنت أراقب تفقده لهاتفه كل دقيقة، ولهفته في تناوله كلما وردته رسالة راجيًا أن أعدل عن قراري، ونعود لسابق عهدنا، شعرت بالانتصار أخيرًا، ورددت الاعتبار لنفسي.

مثلت عليه أزيد من سنة وهو لا يدري، اكتشفت فيها ملكاته في الشعر والحب، ملكات لم أنعم بها طيلة زواجنا، حتى إني لم أدر شيئًا عنها مذ عرفته.

قصص عديدة ترويها الزوجات، منهن من غلبتهن الصدمة وغادرن بيت الزوجية، ومنهن من واجهن أزواجهن بالفعلة ولم يجنين إلا الإنكار وقلة الاعتبار، ورضخن للأمر الواقع في نهاية المطاف، والألم يمزقهن كل ممزق، والقليلات فقط من حكمن ميزان العقل في تقويم العوج، وتصرفن بحكمة رتقت الفتق إلى حين أوبة الطائر إلى عشه تائبًا.

من المؤسف أن رقعة الظاهرة تتسع، وأرقامها أضحت مرعبة في أيامنا؛ والاستهانة بفعلها صار أمرًا اعتياديًّا من طرف جمهرة من الأزواج الذين يواقعونها بقلوب فظة، ودون تفكير في مآلاتها عليهم أولًا ثم على الزوجة، الأسرة والمجتمع.

ومن المؤسف للغاية أنها أصبحت ميسرة بشتى الوسائل التي أتاحتها التقنية، أحيانًا أسائل نفسي: من يلام في هاته المعضلة الأخلاقية؛ أيلام الزوج لغياب حجاب الإيمان لديه، وضعفه أمام إغواء المرأة المتفننة في إظهار أنوثتها، وتقديمها له على طبق من وسائط النت؟! أم تلام الزوجة المسكينة، الموزعة أدوارها بين تدبير شؤون البيت داخلًا وخارجًا، وبين الأمومة وتوابعها: من مربية لأطفاله، إلى مدرّسة إلى زوجة؟ مشاغل متفرقة تتطلب جهدًا خارقًا في أدائها، وإدارتها مثل ما ينبغي، كما تتطلب امتنانًا ووفاء يليقان بمستوى ذاك العطاء، لا بطعنة ترميها بثالثة الأثافي.

لا أريد أن ألقي باللوم على أي منهما، لكن ينبغي التأكيد بأنه أيًّا كانت المسوغات المؤدية للخيانة عمومًا، فإنها وبحكم كل الشرائع لا تبرر الجرم المستقبح مهما كان الموقف، ومهما كانت الملابسات. وإن خيانة الزوج لمن أصعب المواقف التي يمكن أن تختبرها زوجة، ويحتدم لها صدرها غيظًا، ولن أبالغ إن قلت إنها من أشد الضربات إيلامًا لنفسيتها، والتي تستغرق زمنًا في اندمالها، هذا إن اندملت!

لكن الأكيد الذي لا غبار عليه هو أن قرار التعافي يخضع لإرادة الزوجة، وتحقيقه بيدها هي لا بيد الزوج! إذ ليس من المعقول أن تسلّم لوجع يستنزف مشاعرها، ولا من المقبول أن تظل رهينة حدث تجتر فيه لقسط من العمر، تفتأ تذكره حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين.

والحق أن بعض الزوجات يهدرن طاقتهن في البحث عن مدعاة الذنب الجارح لكرامتهن وأنوثتهن، ومنهن من تتطلع لانتقام يبرد النار المستعرة بداخلها، والتساؤلات تأكلها: أهكذا يكافئني! أهذا جزائي! ما الذي ينقصني حتى ينظر خارجًا؟ ما الذي جذبه إليها؟ ماذا وجد عندها من مقومات الأنوثة هيّمته بها ولم يجده عندي؟ ألف سؤال أو بالأحرى ألف طعنة يماثل أذاها الطعنة الأم التي أزهقت سكينتها، وجعلتها تفقد الثقة بنفسها وجمالها.

وإنه ليفطر قلبي انكسار زوجة وحيرتها أمام هذا الموقف، وانشغالها بتفاصيل تنكأ الجرح، كان من الأجدى تجاوزها، والتفكير مليًّا في سبل الترقي بذاتها وحياتها بدلًا من ذلك. بحيث يجب عليها فور استفاقتها من الصدمة أن تستجمع قواها، وتقرر الكيفية التي تريد أن تستأنف بها مشوارها، وهل تريد عيش حياتها بسعادة! أم تستمر في وضع زمام سعادتها في يد شخص آخر كائنًا من ما كان، ولو كان الزوج نفسه.

إن من الأخطاء التي تقع فيها الزوجات أنها تعتقد الزوج مصدرًا لسعادتها، تصب عليه كل تركيزها، وتجعله محور اهتمامها، همها في ما يحب ويرضى، وبينما تنسى احتياجاتها الذاتية، واهتماماتها الشخصية، يتراخى اعتناؤه بها تدريجيًّا، كنتيجة بديهية لإفراطها في تدليله، وتفريطها في صحتها وجمالها.

ربما تتوتر نفسيتها، وتفقد أعصابها مع الوقت، وتنقبض أسارير وجهها في أداء مهامها الروتينية. وربما يرتفع صوتها على عناد أطفالها وطلباتهم التي لا تنتهي، ويكهرب جو البيت توترها ذاك دون أن تشعر، في حين تعتب على الزوج فتوره في الاهتمام، وتملصه من دوره في بعض الشؤون الأسرية الجسام، ورميه بحمل المسؤولية على عاتقها وحدها دون تقدير لما تقدمه في سبيل أسرتها، وما تبذله من جهد يفوق طاقة تحملها، مع أنه لم يطلب منها شيئًا من ذلك، ولكنه بكل بساطة وجد من يتحمل عنه مشقة الأعباء ولم يرفض، طبعًا، وهل يوجد عاقل يرفض أن يحاط بالدلال ويعفى من المهام الثقال!

ليس المراد سيدتي أن تقصري في واجباتك تجاه زوجك وأسرتك أبدًا، ولكن المراد أن تخصصي وسط اهتماماتك بعض الوقت لك وحدك يمتص تعبك، تستمتعين فيه بتنمية مهاراتك ورصيدك المعرفي؛ لأن الزوج ينجذب للمرأة الواثقة، القوية، المرحة والمهتمة بشكلها وشخصيتها معًا، والتي تتقن صنعة الاحتواء بأنوثة وذكاء، وكذا الأطفال يحتاجون أمًا رؤومًا، هادئة تلبي احتياجاتهم وتعلم جيدًا متى تستعمل الحب، ومتى تستعمل الصرامة في التربية الإيجابية وتقويم السلوك.

سيدتي الجميلة، إن قرار سعادتك بيدك ليس بيد سواك، ولا تتوقعي الاهتمام والتقدير من أحد ما لم تقدري أنت ذاتك، وتمنحيها الاهتمام اللائق بها كذات إنسانية مستقلة، لها اهتماماتها الشخصية، وتستحق كل الاستحقاق أن تحيا مطمئنة وسعيدة!

سيدتي، إنك عماد أسرتك، واستقرارها متوقف عليك بالأساس، ولن تستطيعي القيام بالأدوار المنوطة بك كزوجة وأم بشخصية مضطربة ومهزوزة من الداخل، يجب أن تكوني إلى جانب عاطفتك متماسكة وقوية، ولهذا كانت أهمية استئثار بعض الوقت لك في تجديد الطاقة، وإراحة الأعصاب المشدودة، تقسميه حسب رغبتك واحتياجاتك؛ يمكن أن تجعليه جلسة تأمل وذكر، أو تمارسي فيه رياضة، هواية، أو تتعلمي مهارة، ولك واسع النظر، أحبك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد