مفاوضات مارك سايكس علي أرض فلسطين في كواليس الحرب العالمية الأولي

يرى الاعوجاج في كل أمر ويعجز عن رؤية المستقيم في كل شيء، كاريكاتوريا بارعًا وصاحب خيال واسع ويستطع أن يرسم بخطوط قليلة عالمًا جديدًا يعج بالحركة والنشاط.

هكذا وصف توماس إداوراد لورانس المعروف عالميًا بـ«لورانس العرب» السير مارك سايكس المستشار السياسي والاستخباراتي المفاوض البريطاني.

تدرجنا صغارًا بدراسة مادة التاريخ على ما عرف بمعاهدة سايكس بيكو التي أظهرت لنا ما هو متعارف عليه الآن بالشرق الأوسط بدوله الحالية وحدوده المتعارف عليها تقبلنا المعاهدة على ثِقلِ كوننا نحفظ التاريخ صغارًا ولا ندركه.

يكمن وراء الحكاية البدائية السطحية بكتب التاريخ المصري حكايات ربما صادمة، ممتعة، عميقة، مأساوية وأكثر كارثية مما صُدر لنا ألا وهي حكاية التقسيم تلك التي أظهرت لنا عالمنا الشرق أوسطي الذي نرزح به الآن.

ولعل الهَم الأكبر الذي نعيش في ثناياه منذ زمن هو مشكلة فلسطين التي تسربت من بين الرمال، والحدود، والخرائط، ومراسلات القادة، وحسابات العملاء العرب وخِطط الجيوش لتصبح بقايا دولة.

فكيف كانت فلسطين في حسابات مستر سايكس؟!

منذ بداية الحرب العالمية الأولى وتحت قيادة اللورد كيتشنر وزير الدفاع في الحكومة البريطانية كان مستر سايكس يعمل على فرضية واتجاه أن فلسطين ليست مهمة بالنسبة لبريطانيا، وفيما كان يتفاوض ويبحث سايكس مع ربيبه الفرنسي مسيو بيكو خطط النفوذ والتقسيم ما بعد الحرب في الشرق الأوسط وخصوصًا مناطق النفوذ العربية كانت سياسة اللورد كيتشنر تقضي بقوله الآتي ألا وهو «فلسطين لن تكون بأي شكل ذات فائدة لنا».

مات كيتشنر في 1916، فيما استمر سايكس على نفس النسق في الترتيب لما بعد التقسيم بأن فلسطين ليست هامة لبريطانيا العظمى، لكن في عام 2017 حين كان سايكس يدرس إقامة دولة أرمينية مع جيمس مالكوم رجل الأعمال الأرمني، طرأ على عقل سايكس أن ثَمة معارضة يهودية قد تطفو على السطح لتوسيع نفوذ روسيا كإمبراطورية حامية لتلك الدولة الأرمينية الجديدة، ومن هنا طلب سايكس إلى مالكوم أن يدله على زعماء الصهيونية المؤثرين.

أخذ الأرمني مالكوم بيد مستر سايكس إلى لقاء تعارف بالزعيم الصهيوني حاييم وايزمان وهو أحد زعماء الحركة الصهيونية المعارضين وقتها لوقوف اليهود والحركة الصهيونية على الحياد في الحرب العالمية الأولى.

في لقائهما الأول عرض سايكس على وايزمان أن يكون هناك كيان يهودي في فلسطين تحت حكم بريطاني فرنسي مشترك.

المزاد الأول كان بين ثلاثة أطراف فرنسا وبريطانيا، وجماعة الحركة الصهيونية عن طريق مفاوضها حاييم وايزمان، لكن في الاجتماع الثاني بين سايكس وحاييم وايزمان وعدد من زعماء الحركة الصهيونية طلب وايزمان أن يكون الكيان اليهودي في فلسطين تحت إدارة بريطانية فقط.

كان رد سايكس وقتها قاطعًا حين قال إن إدارة بريطانية فقط للكيان اليهودي ستخلق مشكلة مع فرنسا وقال نصًا «العرب يمكن تدبير أمرهم».

لكن فرنسا هي «الصعوبة الجدية».

أتسأل لم من المكن أن يتم تدبير أمرنا دومًا كعرب؟! لما لا تتوقف قوة كبرى عند رد الفعل العربي؟!

هذه أسئلة ساذجة سياسيًا من الممكن أن يطرحها غاضب في مظاهرة، أو طالب في خِضم نقاش جامعي.. لكن الإجابة الصحيحة هي أن الجميع تلاعب بالعرب في خضم تلك المرحلة التاريخية الصعبة في الحرب العالمية الأولي، استغل التشتيت الاجتماعي للعرب بين سياسة تركيا الفتاة في الإمبراطورية العثمانية، وبين محاولة الشريف حسين أن استغلال الامتداد الصحراوي والحضري في الحجاز والشام كي يُنصب لنفسه مملكة عربية كبرى لم تملك أي مقومات أو ضمانات سوى تحكم بريطاني بأطرافها.

النسيج الاجتماعي العربي في تلك الفترة فشل في أن ينتج حركة قومية عربية متكاملة قادرة على المواجهة في ظل التغييرات السياسات الكبرى التي أحاطت بالمنطقة، وفشل العرب في التكييف مع السياسة التركية الإمبراطورية الجديدة.

الحكاية أن العرب والمسلمين انهاروا على أنفسهم مباشرة، فتدبر سايكس ومن معه أمرهم بسهولة سياسيًا وعسكريًا، وغرسوا الخناجر في أطراف فلسطين وقلبها على الخرائط وعلى الأرض بالمعارك العسكرية والتغييرات الديمغرافية.

بعد أكثر من مئة عام على إنتهاء تلك المخططات في الحرب العالمية الأولى وثقة سايكس اللامحدودة بنفسه عندما تدبر أمرنا في حديث عابر مع قادة الصهيونية، كيف نبعث من حيث انهارت قوانا كي نضرب نحن الخناجر في الخرائط البالية من جديد؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد