إن كان مفهوم الحداثة يعني ما وصل إليه العلم والتطور، والعقل والتعقل، فمفهوم ما بعد الحداثة كل ما هو عكس ذلك، وهذا بسبب أننا وصلنا إلى ما لا يستطيع العقل البشري أن ينتجه بعد هذه المرحلة، فلقد اعتمد اعتمادًا كليًّا على الأجهزة، وأصبحت هي من تفكر بدلًا منا، فلم نعد ننتج شيئًا بعيدًا عنها، وبمعاونتها بالاتكاء عليها والاتكال على معلوماتها بالبحث فيها، فلذلك العقل توقف عن الابتكار والتفكير خارج هذا الإطار، وبعيدًا عن هذه الشاشة التي أصبحنا نتسمر أمامها، ونحملها في حلنا وترحالنا، بل إن أغلبها لم تعد تفارق جيوبنا إن لم تكن أمام أعيننا.

مما اضطر العقل هنا أن يتجه إلى ابتكار ما يعد مكملات بعيدًا عن الأساسيات، ومن ثم إعادة إنتاج هذا المنتج نفسه بشكل آخر، دون أي مميزات يمتاز بها أو يختلف عنها، سوى ببعض الديكورات الخارجية، والاكسسوارات الكمالية، ورتوش غير ذات أهمية، والأمثلة كثيره من جميع الصناعات.

توحش السوق

ولكن ما جعل هذا يحدث هو الوقت، لقد أصبح الوقت متسارعًا والزمان متقاربًا، واحتدام الشركات، وكثرة المنافسين في الأسواق، كل هذه العوامل أدت بالمسوق أن يفكر في إنتاج منتجه ما بعد القادم قبل نزول منتجه الجديد للأسواق، إذ إنه يتعمد ألا يجعل من أي منتج له بكامل إنتاجيته ووافر مميزاته، حتى لا يخسر في الموسم الذي يليه بإنتاج سلعة ليس بها مميزات جديدة كما قبلها، ويحاول بكل الطرق ألا يترك فرصة للمنافس؛ فهو يدرك جيدًا أن أي إهمال أو إغفال وتراخ أمام الآخر، هو بمثابة إعلان انهيار.

توحش السوق أوجد حالة مجنونة للشركات المسوقة لمنتجاتها، فلم تعد السوق تعتمد على استراتيجية العرض والطلب، بل غرست في عقلية المستهلك الطلب فالطلب، ومن ثم الطلب دواليك؛ لمحاولة مجاراة كل جديد، فهذه الشركات وأخص التكنولوجية منها تقدم للمستهلك دعايتها وإعلاناتها، وتوحي له وبطريقة غير مباشرة وكأن من لا يمتلك منتجها الجديد متخلف وغير مواكب للعصر، وأصبح شيئًا قديمًا غير مثير لاهتمام الغير، ووصول المستهلك إلى هذا التفكير المبتذل بحد ذاته أمر خطير، فهو لم يعد يرى في نفسه أي تعبير، دون أدنى تفكير، يحاول أن يكسب هذا المنتج، ويحظى به حتى يتميز عن الكثير، ويصبح محل تقدير من الغير، فلم يعد يعتد ويعتمد على تدينه واستقامة أخلاقه، ومستوى فكره وثقافته، بل الاعتماد على ماذا يحمل من أجهزة، وما مقتنياته.

المثال الأبرز للتوحش المفرط

لربما أبرز مثال لتوحش السوق المفرط يكمن في الحرب الضروس التي تشنها أمريكا اقتصاديًّا على الصين بقيادة أعلى هرمها، بمحاولتها بشتى الطرق كبح جماح هذا التنين برفع الضرائب على بضائعها.

ويتبلور جديًّا هذا التوحش ويبرز للعيان في مشكلة شركة هواوي، إذ إن أمريكا لم تعد تتقبل أي منافس من الخارج، فهذه الشركة الصينية في ظرف سنوات استطاعت أن تقلب الموازين، وتحدث أكبر تغيير بالمعادلة السوقية، بتغلغلها في هذه السوق الكبيرة لتدير جزءًا ليس ببسيط من نسبة مبيعاتها لصالحها، وتوجد لها موضع قدم فيه بتقديم منتج بأعلى مواصفات وبأرخص أسعار، مقدمه بذلك نفسها منافسًا شرسًا على غير العادة في سوق الأجهزة الذكية، مزاحمة الأيفون الأمريكي، معلنة وكاشفة عن مدى قوتها وإمكاناتها وقدرتها التكنولوجية، التي لا تقل عنها، مما تسبب لها بجزع من أثر وجع خسارتها لجزء من حصتها، وتوجس من مستقبل المنتج المدلل لأمريكا، والعلامة التجارية الأبرز لها، وتهديدها ليس في الأسواق المعتمدة لديها، والتي يجري التسويق فيها، بل حتى في عقر دارها، ومهبط وحي ابتكار الأيفون بها.

أخيرًا، أعتقد أن الرأسمالية بدت لا تبالي بأن تخرج على حقيقتها، لترينا الوجه الشاحب المترهل البشع لها في آخر مراحلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد