“أتصفح الكاتالوجات وأتساءل ما هو نوع أواني الطهي الذي يمكنه التعبير عن شخصيتي؟”

M1

هذه العبارة جزء من حديث ذاتي في فيلم Fight Club بينما يختار الشخص في الصورة أثاث منزله (1)، لكن ما هي العلاقة بين أواني الطهي والتعبير عن الشخصية؟

 

في عام 1920 كان التدخين بالنسبة للسيدات في أميركا من التابوهات الاجتماعية، وكانت قلة قليلة من السيدات تدخِنّ في هذا الوقت، لذا طلبت الشركة الأمريكية للتبغ من إدوارد بيرنيز (2) وهو منشىء ما يسمى بالعلاقات العامة أن يجد طريقة لكسر هذا التابوه الاجتماعي الذي أفقدهم نصف السوق.

ذهب بيرنيز لسؤال طبيب نفسي (3) عما تمثله السجائر بالنسبة للرجال، أخبره الطبيب النفسي أن السجائر هي رمز لقوة الرجل وإذا امكنه إيجاد طريقة لربط فكرة تحدي قوة الرجل بالسجائر فستشتريها السيدات.

 

ثم قام بيرنيز بتأجير بعض عارضات الأزياء وطلب منهن إشعال السجائر أثناء موكب احتفال عيد الفصح أمام الكاميرات، وأخبر الصحافة أن مجموعة من نساء حقوق المرأة يُدَخِنَّ “مشاعل الحرية”، نُشر الخبر كما أخبرهم به بيرنيز في جريدة النيويورك تايمز وأخذت الحادثة الكثير من اهتمام الرأي العام، بعدها تم كسر التابوه وأصبح التدخين مقبولاً بل مرغوبًا، وارتفعت مبيعات الشركة بالطبع.

 

ما فعله في حملته هو ربط التدخين بفكرة الحرية والاستقلال، فأصبح تدخين السيدات دليلًا على قوتهن واستقلالهن.

M2

من هنا ظهرت فكرة تسويق السلع عن طريق ربطها بمشاعر وأفكار يفتقدها المستهلك، فلم يعد الإنسان يشتري السلع لحاجته إليها، وإنما يشتري مشاعر وأفكارًا تم ربطها إعلاميًا بتلك السلع، فمثلاً أنت لم تعد تشتري السيارة لأنك تريد الوصول إلى مكان ما بسرعة وتوفيرًا الوقت، ولكن بشرائك سيارة فارهة فأنت تشتري مكانة اجتماعية وتشتري احترامَ مَن حولك.

 

مع ظهور الفردانية (4) في الستينات، زاد إحساس الفرد بذاته، وتطلع إلى الاستقلال والاختلاف عما حوله. وجدت الشركات في هذا الإحساس غايتها الكبرى بل وعملت على تغذية تلك الرغبة، ولكن كيف يمكن للناس الاختلاف؟ طبعًا عن طريق الاستهلاك، فيمكنك الاختلاف الآن والتعبير عن ذاتك المختلفة بالملابس، بالساعات، بالسيارات، بالهواتف، بالأثاث وخلافه، ولذا فالمستهلك يشعر بالضيق عندما يجد أحدهم يرتدي مثله، أو يملك ما يملكه، لأن ذلك هو طريقة تعبيره عن ذاته المختلفة أو هكذا يتوهم.

المشكلة أن الاستهلاك فعلاً لا يشبع حاجاته، فالمستهلك يتوهم أنه سيكون أسعد إذا حصل على تلك السيارة، أو أنه سيكون أسعد بتلك الفيلا، لكن لا شيء من هذا يحدث، وما إن يحصل على الشيء حتى يشعر بالخواء، خواء تتبعه رغبة يظن أنها ستُشبَع باستهلاك شيء آخر وهكذا يدور مرارًا وتكرارًا في حلقات مفرغة.

 

M3

مع ثبات المبدأ أن قيمة الإنسان تتحدد بناءً على ما يمتلكه أو ما يستهلكه، ظهر ميل عام نحو محاكاة الطبقات الأكثر ثراءً، فالإنسان صار يسعى ليبدو أكثر نجاحًا، أكثر ثراءً، أكثر قيمة. صار هدف حياته فيلا في “أرقى” الأحياء، أو شركة رأس مالها يتعدى الأصفار الستة، وصارت قصص “النجاح” هم رجال أعمال جنوا الملايين والمليارات.

هل هذا هو الهدف من الحياة حقًا؟ هل هذا ما تريده كإنسان؟

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد