العلاقة بين فكرة التسويق الإدارى والرغبة الإنسانية هي علاقة استثنائية حديثة في ظل تقدم تكنولوجي باهـر نشهده تلك العقود، إلا وإنا نعيش في عالم بائس لا نستطيع أن ننكره, أصبحت منظومة التسويق عضوا فعالا في ذلك العالم؛ بما تقدمه من نظريات تلعب على الجانب الإنساني. يمارس التسويق دورا قذرا جدا مع النفس الإنسانية، ويركز على منطقة الجشع، والذي ما إن تضغط عليه كالزناد يثور ويهيج كطلقات مطاطية في كل مكان تجاه كل ما يقابله، فتبدلت القوانين التسويقية.

 

فبعدما كان الهدف هو إيجاد الحاجة، أصبح الهدف هو خلق الرغبة لدى العميل في اقتناء المنتج بشتى الطرق، ويعني ذلك: أنه بعدما كان الهدف هو تغطية الحاجات الأساسية في الحياة، مثل: المأكل والملبس، وعوامل مساعدة أخرى، أصبح القانون هو خلق الدافع والرغبة لدى العميل؛ لإجباره على الشراء بطرق ملتوية.

 

يلعب التسويق على تعزيز الرغبة الإنسانية باستراتيجيات ملتوية بما فيها الوجدان والعاطفة والمشاعر والمبالغة والتكرار، تخيل أيها القارئ إعلانا لساندوتش برجر ـ مثلا ـ تقوم فكرة الإعلان على إحضار “موديل” جائع أو مريض بالأنيميا، وفجأة يشاهد ساندوتش البرجر كالتالي: تحمله أنثى عارية أو ذكر وسيم، وكأنه على وشك الموت جوعا، وأن الساندوتش هو المنجي والملجأ الأخير ليعيش الإنسان سالما، وكأنه شفي من الأنيميا مثلا بمجرد أكله!

 

ثم تشاهد الشوكولا تنزلق من فم الأنثى “العارية”، إن كان المنتج شوكولا مثلا، فتثير لعابك، وتثير شهوة الأكل عندك، وتثير شهوات أخرى غاضين الطرف عنها، ويتنقل الإعلان من قناة لقناة، ومن شارع لشارع، ومن صورة لصورة حتى تجبر بداخلك أن تشتري المنتج، فضولا، إن لم يكن جوعا، فتنتقل رغبة شراء المنتج أحيانا من مرحلة الحاجة إلى مرحلة التباهي، إلى مرحلة تملكك للمنتج، إلى مرحلة تملك المنتج لك.

 

ومثال على ذلك: إعلان آخر لحذاء رياضي علامة (ماركة) معينة. تقوم فكرة الإعلان على إحضار لاعب كرة قدم شهير، وهو يلبس ذلك الحذاء، وتركز الكاميرات على نوع الماركة، وعلى وجه اللاعب، وفجأه ينطلق اللاعب بسرعة جنونية، وكيف أن مجرد حذاء حوَّل اللاعب إلى كابتن ماجد! أو مازينجر! فما الحذاء؟ هو منتج معين يتم صنعه لتغطية القدم. هذا بكل بساطه هو مفهوم الحذاء! لكن الشركات إن وقفت على ذلك المفهوم فستغلق أبوابها، خاصة فى ظل تنافس مسعور بين الشركات وبعضها.

 

دعنى أشرح لك ما قلته سلفاّ, المرحلة الأولى، وهى الأصل، أنه مجرد حذاء، فالبتالى أنت تشترى الحذاء لتغطية حاجات أساسية, المرحلة الثانية، هي مرحلة الرفاهية والتباهي، وهي أن تشترى حذاء ماركة معينة بتصميم مميز؛ فتتباهى بذلك المنتج، ومن ثم الانتقال لمرحلة امتلاكك للمنتج، أي أن تكون الماركة هى خيارك الأول؛ بسبب ضغوط غير مباشرة، كاقتران تلك الماركة بلا نجم مميز تحبه، وأن تشعر بداخلك أنك مميز لاقتنائك الماركة دون بقية أقرانك ومن حولك، وآخرا، انتقالك لمرحلة الاستعباد، وهى أن لا تستطيع أن تعيش بسيطا بدون “عنطزه فارغة” كأن تحاول أن تظهر مفاتيح سيارتك بقدر ما تستطيع “علشان يقولوا ده معاه bmw”.  أو أن تحاول أن تظهر علامة التفاحة بقدر ما تستطيع على تليفونك المحمول “علشان يقولوا ده معاه apple” . أو أن تستطيع بقدر الاِمكان أن تظهر علامة الـ Nike على التى شيرت أو الحذاء “علشان يقولوا ده بيلبس ماركة”.

 

وكأن الأمر أصبح مفخرة بين الناس, وكأن قيمتنا تحددت فيما نملكه, وأصبحنا فقراء للغاية مع امتلاكنا لكثير من الأموال, فتعزز شعور التملك والجشع والشراهة داخلك فتشترى أشياء لا نحتاجها بأموال لا نملكها لنجذب اهتمام أناس لا نحبهمfight club film .

 

لمزج فكرة الإعلان والرسالة التسويقية أن هذه الماركة للخواص والصفوة من الناس ولأصحاب الذوات! وأن هذا المنتج قادر على خلق المستحيل .

 

تلعب الرسالة التسويقية على توصيل رسالة لا شعورية لك تجعلك مجبر على شراء المنتج، حتى وإن لم تحتج إليه فعليا، بالعاطفة والمشاعر والتكرار، المجتمعات السويه تعمل على تقليل حدة الشراهة الإنسانية بشكل أو بآخر, يقول النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ حسب ابن آدم لقيمات، فيعمل النبي على إطفاء وقود الشراهة وحفظها لأولوية أخرى، أما الآن فأصبحت المجتمعات تقوم على رفع تلك الحدة لأسباب اقصادية رأسمالية أو اجتماعية طبقية تملكية مريضة، وقد انتقلت من مستوى ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة نزعة الاستهلاك، وقد حذر من ذلك المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري (1938 – 2008) عندما أشار إلى أن طغيان النزعة الاستهلاكية في مجتمعاتنا النامية سيجعلنا “ملكًا لمن تكون له الغلبة في استعمار النفوس” بحضارته وثقافته.

كذلك من سياسات التسويق أنه يزرع ثقافة الاستهلاك لدى الإنسان بدون الحاجة إليها كما قلنا، ربما أيها القارئ لك معارف أو أقارب ظلوا يكدون من جهدهم لشهور؛ ليشتروا هاتف محمول غالي الثمن، وهو لا يعرف الميزة التنافسية لذلك الهاتف، والتي تفصله عن هاتف آخر أصلا، هو فقط اشتراه ليواكب العصر، وليتجنب التهميش الاجتماعي والأممي، ويتناسى أن هناك خطا فاصلاً بين العمل لتحقيق الربح، وبين السعي لفضيلة سد الحاجة أو استراتيجية الادخار، فقد كتب أرسطو في رسالته (علم الأخلاق) إلى نيقوماخوس قائلاً: “إن حياة كسب الأموال حياة نعيشها مرغمين، والثروة بالطبع ليست هي القيمة التي نسعى لتحقيقها، فالأموال مفيدة ـ فحسب ـ والغرض منها تحقيق شيء آخر” ، ويقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: “وأما المطاعم والمشارب والملابس والمناكح فهي داخلة فيما يقيم الأبدان ويحفظها من الفساد والهلاك، وفيما يعود ببقاء النوع الإنساني ليتم بذلك قوام الأجساد وحفظ النوع فيتحمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض ويقوى على حملها وأدائها، ويتمكن من شكر مولى الأنعام ومسديه”.

ولم تكتف تلك الثقافة على المجتمعات النامية المتهاوية فقط، بل امتدت للمجتمعات الشمالية أيضا حيث المجتمعات المادية البحتة .

ولكن لا يخفي علينا العامل الاقتصادي الذي يشكل الفرق بين مجتمع يستهلك ما ينتجه، وبين مجتمع يستهلك ما ينتجه غيره، ففي الأولى تحصل التنمية الاقتصادية، وفي الثانية تحصل التبعيه الاقتصادية.

 

يوم الجمعة الأسود، هو مصطلح يعني يوم التسوق العالمي، نجحت الشركات الكبرى في استقطاب، بل استعباد الشعوب، من خلال ثقافة الاستهلاك، وسهلوا لهم عن طريق الخصومات وغيرها من المثيرات، فاستعبدوهم كما تشاهد في المشهد المصور أسفل المقال، أصبحت الشوارع فى دول الشمال سببا كافيا لنمو الأمراض النفسيه لتلك الشعوب من خلال شبح الاستهلاك والتملك والشراهة، كما تشاهد في الصور، أتذكر تلك المحادثة التي دارت مع أمريكية سافرت لنزهة في بلد نامية لا أستطيع تذكر اسمها، وبالأخص في منطقه شبه نائية هادئة بعيدة عن صخب المدينة والشوارع المليئة بإعلانات المنتجات، عندما قالت إن في بداية النزهة لم تكن الأمور على ما يرام، وكأنها تشعر أن أحدا ينتزع منها جزء من حياتها، ولكن بعد فترة وجيزة قالت: “الآن فقط أستطيع أن أشعر بالحرية وأن لا شيء يتملكني”.

وفي النهاية لا يسعنى إلا أن أقول: “أنت شريحة مستهدفة في دائرة مغلقة إن لم تع بذلك”.

 

اِليكم بعض المقتبسات من فيلم “fight club” :

-The things you own end up owning you.

الأشياء التى تملكها انتهى أمرها بتملكك .

-It’s only after we’ve lost everything that we’re free to do anything.

فقط عندما نخسر كل شيء نصبح أحرارا لفعل أي شيء.

-You’re not your job. You’re not how much money you have in the bank. You’re not the car you drive. You’re not the contents of your wallet

أنت لست وظيفتك, أنت لست كم الأموال التى تملكها في البنك, أنت لست السيارة التي تقودها, أنت لست محتويات المحفظة.

-You are not special. You are not a beautiful or unique snowflake. You’re the same decaying organic matter as everything else.

أنت لست مميز , أنت لست فريدا من نوعك, أنت كغيرك مكون من مواد متحللة العضوية كأي شيء آخر.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد