في ستينات القرن الماضي شهد العالم بداية ولادة ما يُعرف اليوم بـ«الإنترنت»، أو شبكة الاتصال العالمية، أو «الويب» وغيرها من الأسماء التي حملها هذا المولود الجديد خلال مراحل تطوره وتوسع مفهومه ومجالات استخداماته. ولعل كان أبرزها هو التسويق الذي استغل الإنترنت بصورة كبيرة واستخدمه كنافذة صغيرة يقتحم من خلالها ما بداخلنا من رغبات ليثيرها ويوجهها نحو تحقيق الغاية المنشودة، سواء شراء منتج معين، أو غرس أفكار حول موضوع محدد، أو لتوجيه الرأي العام نحو قضايا تهم فئة محددة من الأشخاص على الصعيد السياسي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي.

وبالتزامن مع هذا التطور الكبير الذي شهده العالم أجمع بعد ظهور الإنترنت، والتطور التكنولوجي المطرد في مختلف مجالات الحياة والأعمال، تطوّر مجال التسويق كثيرًا، حيث أتاح هذا التقدم التكنولوجي فرص عديدة لابتكار وسائل ومفاهيم تسويقية حديثة، ليصبح بذلك التسويق بمهومه العام غير مقتصرًا على المنتجات الاستهلاكية أو المادية فقط، بل أصبح هناك أنوع عديدة له، والتي ساهم بعضًا منها في ظهور قطاعات جديدة على الساحة، مثل قطاع العلاقات العامة الذي بات بمثابة ركيزة أساسية لضمان نجاح أي شركة أو فكرة أو حملة ترويجية أو انتخابية.

ولكن في هذا المقال، سنتطرق بشكل مختصر إلى التسويق الرقمي ودوره في الحشد والتلاعب بالرأي العام، ولا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي التي لعبت دورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة في غرس مفاهيم جديدة غيرت كثيرًا من ملامح العالم اليوم، سواء سياسيًا، أو اقتصاديًا، أو اجتماعيًا.

ففي السنوات العشر الأخيرة، أحدثت منصات التواصل الاجتماعي وأدواتها المختلفة تغييرات جوهرية في حياتنا وأسلوب تفكيرنا وكيفية رؤيتنا للأمور التي تحدث من حولنا، وخاصة على الصعيد السياسي، حيث لعبت دورًا رئيسًا في التسويق لأفكار وآراء جيشت وراءها الرأي العام في العديد من القضايا، والتي أفضت في الكثير من الحالات إلى تغيير أنظمة سياسية بأكملها أو إلى نشر الفوضى والتخبط في العديد من المناطق حول العالم، ولعل أكبر مثال هو ما حدث في العالم العربي تحت مسمى «الربيع العربي»، أو ما حدث في الولايات المتحدة عقب فضيحة «كامبريدج أناليتيكا». ونرى هنا مدى أهمية وخطورة مثل هذه المنصات في التسويق لأفكار تخدم أغراض سياسية معينة، وتشتيت الرأي العام من خلال نشر الانتقادات المستهزئة بحق مختلف الأطراف، وبالتالي زيادة الانقسامات بين المواطنين والأحزاب. وغالبًا ما يتم ذلك عبر ما يسمى بـ«الدعاية الحاسوبية» أو «الدعاية الرقمية» التي تنطوي على أكاذيب ذات دوافع سياسية مدعومة بمدى قوة وانتشار منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر» على مستوى العالم. ويتم إنشاء هذا النوع من الدعاية من خلال إدارة وتوجيه المحادثات والمناقشات السياسية عبر منصات التواصل بوساطة حسابات مؤتمتة ومزيفة (المعروفة باسم «البوتس» أو Bots بالإنجليزية) يقف خلفها العديد من شركات التسويق والعلاقات العامة التي تخدم مصالح جهات معينة.

وتعتبر «البوتس» من أكثر أدوات وأساليب منصات التواصل الاجتماعي كفاءةً، ولا سيما على موقع «تويتر»، في توجيه الرأي العام وجذب اهتمامه نحو مواضيع محددة، وذلك عبر صناعة ما يُعرف بالتريندينغ Trending، وهو جعل موضوع معين يطغى على اهتمام أكبر عدد من مستخدمي هذه المنصات، ليتم بعدها ضخ كم هائل من المعلومات والأخبار الحقيقية والزائفة للتحكم بالرأي العام وتوجيهه نحو تحقيق الغاية المنشودة دون الشعور بذلك. لأنه وبكل بساطة، تعتمد مثل هذه الأدوات على تعزيز التفكير السريع السطحي ذي التركيز المعمق قصير الأمد من خلال ضخ هذا الكم الهائل من المعلومات والأخبار في وقت قصير وانتقاء مفردات وشعارات هدفها إثارة مشاعر محددة لحشد أكبر عدد ممكن من الأشخاص المؤمنين بالرسالة المرغوب نشرها وإيصالها إلى الشارع.

وبالرغم من الفضائح التي تُلاحق الشركات المسؤولة عن مثل هذه المنصات بخصوص هذا الأمر، لا يزال الكثيرون يجهلون مثل هذه الحقائق وما يحدث في كواليس مسرح الرأي العام، ولا سيما في العالم العربي الذي بات من أكثر المستهلكين لهذه السلع الرقمية التي كان لها على أرض الواقع نتائج سلبية أكثر بكثير من تلك الإيجابية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد