يدخل رجل أربعيني مهرولاً أحد مراكز تسوق شركة “تارجت” وفي يده إعلان ورقي لهم، ويطلب مقابلة المدير.

 

– بنتي جالها الإعلان دا في البريد، البنت لسه في الثانوي، وانتوا باعتينلها خصومات على ملابس الأطفال وسرايرهم، بتشجعوا المراهقين على الحمل؟

 

تأكد المدير من أن الإعلان لهم وأن شركته هي المرسلة، ثم اعتذر كثيرًا، واعتزم مهاتفة الرجل مرة أخري ليعتذر له مجددًا.

 

بعد عدة أيام هاتفه المدير ليعتذر. رد الأب في خجل: أنا كلمت بنتي في الموضوع، وللأسف في حاجات حصلت في البيت أنا مكنتش عارفها، البنت حامل، وأنا اللي المفروض أعتذر.

 

كل هذا لذيذ، لكن كيف عرفت الشركة بحمل هذه المراهقة قبل حتى أن يعرف أبوها؟

 

بدأت شركة تارجت، ومثلها من مراكز التسوق بالتأثير على المستهلكين بالحيل النفسية القديمة، أشياء مثل وضع الفواكه والخضار في بداية المول لأنه تم ملاحظة أن المستهلك عندما يشتري الأشياء الصحية أولاً، يكون لديه قابلية أكثر لشراء الأشياء التي يتجنبونها خاصة عند اتباع نظام غذائي مثل الشوكولاتة والآيس كريم، أو وضع الأشياء التي يريدون منك شراءها في مستوي النظر، لكن مشكلة هذه الحيل أنها تعامل الكل نفس المعاملة، ولذا نمت الحاجة لنظام أكثر تخصصًا، نظام يتنبأ بحاجات المستهلكين، ومن هنا نشأ نظام تحليل البيانات.

 

تم إنشاء نظام ضخم لجمع بيانات المستهلكين، عن طريق تحديد كود تعريف لكل مستهلك، وفي كل مرة يشتري المستهلك أي شيء، سواء من المول أو من الموقع الخاص بهم، يتم تسجيل ذلك ووقت الشراء.

 

أيضًا تم اللجوء لشركات متخصصة في جمع بيانات الأشخاص مثل Towerdata وInfiniGraph، مهمة هذه الشركات تجميع البيانات لبيعها، بيانات كسنّ الشخص، متزوج أم أعزب، لديه أطفال أم لا، محل إقامته، تاريخه الوظيفي، وحساب تقريبي لدخله السنوي، حتى هذه الشركات تقدر على جمع بيانات كأي قهوة تفضل!

 

وهذه عينة من البيانات التي يجمعونها:

ء1

وهذه إحدى الصور من InfiniGraph التي تبين تفاعل الناس مع البوستات على الفيس بوك حسب الساعة التي يتم فيها وضع البوست:

ء2

وهذه حسب محتوى البوست:

ء3

 

بعد جمع هذا الكم الهائل من البيانات، تم توظيف قسم من المختصين لتحليل البيانات، دعني أوضح لك كيف يُفسرون هذه البيانات، مثلاً شخصان اشتريا عصير برتقال في نفس الوقت، بدون بيانات لن تستطيع تخمين ما يحتاجون، لكن مع البيانات ستعرف أن أحدهما هي سيدة في العقد الثالث ولديها أطفال، إذن بإرسال بعض الخصومات على الحلوي وألعاب الأطفال يمكنك أن تتأكد أنها ستأتي لشراء المزيد، أما الشخص الآخر فهو عشريني أعزب وهو يشرب العصير بعد تمرين جري، ويمكنك أن تكسب هذا الشخص بخصم على الملابس والمعدات الرياضية.

 

في عام 1984 تم نشر بحث علمي وجد أن الناس يغيرون عاداتهم الشرائية أثناء أحداث حياتهم الكبرى، كالزواج والطلاق والانتقال إلى مسكن جديد، لكن ماهو أكبر الأحداث على الإطلاق؟ طبعًا إنجاب طفل.

 

لِمَ يُعد هذا هامًا بالنسبة لمراكز التسوق؟ لأن هذا الوقت وقتٌ مثالي لجذب المستهلكين من المراكز المنافسة.

 

بعد نشر هذا البحث جُن جنونهم، وتم استهداف الحوامل أثناء وجودهم في المستشفيات بعد الولادة، بعرض منتجات عليهم بأبخس الأسعار وأحيانًا مجانًا لجذبهم، لكن شركة تارجت لم تُرد المنافسة، ولكنها أرادت الاستحواذ على السوق كاملاً.

 

لذا تم سؤال أندرو بول رئيس قسم تحليل البيانات في الشركة، هل يمكن لبرامجك أن تخبرنا من مِن مستهلكينا في فترة الحمل؟ ومتى سينجبون؟

 

راقب أندرو نمط استهلاك الحوامل والمنتجات التي يشترونها، كالفيتامينات، وملابس الأطفال الصغار، والحفاضات وغيرها، بعد فترة وضع قائمة بها جميع تلك المشتريات، وكلما زاد عدد مشتريات السيدة من تلك القائمة كلما زادت احتمالية أن تكون حاملًا، وعند ذلك يتم إرسال خصومات لها على أشياء الأطفال، كما حدث مع رجلنا “اللى بتحصل حاجات في البيت من وراه”.

 

لكن كما يقول أندرو بول “يمكن أن يري الناس ما نفعله على أنه مماثل لما يفعله (الأخ الأكبر)، وهذا يقلقهم”، ولذا تم إصلاح هذا الخطأ سريعًا بوضع خصومات على أشياء عشوائية مع الأشياء الخاصة بالمستهلك عند استهدافه.

 

ارتفعت أرباح شركة Target بعد تطبيق نظام تحليل البيانات واستهداف كل مستهلك على حدة من 44 مليار عام 2002 ، إلى 65 مليار عام 2009.

 

لنذهب للفيس بوك الغني والذي يستخدم بياناتك الشخصية للوصول إليك تحديدًا تحت مسمى الاستهداف، فهذه هي المعلومات المتاحة عنك لمن يريد إضافة إعلان عليه:

ء4
وهذه بعض الإعلانات الموجهة لي، هذه الإعلانات ربما لم تظهر ولن تظهر لك إذا لم تكن في نفس المجموعة الموجه لها هذه الإعلانات:

ء5

لذا إذا قابلك مثل هذا البوست:

 

فأنت تعرف الآن أن الفيس بوك لا يهتم بلوحاتك وصورك وآرائك، كل مايهمه بياناتك الشخصية، وهذا ما وافقت عليه عند دخولك للفيس بوك، وما وافقت عليه مجددًا بنفسك بعد التحديث الجديد الذي تم منذ ما يقرب من أسبوع، وكتابة عدم موافقتك على هذا في بوست غير مجدية بالمرة.

ء6

طبعًا أنت تتساءل كيف يعرف الناس كل ذلك ويصمتون؟ هناك الكثير من القضايا المرفوعة على شركات مثل ماكدونالدز، مازدا، إنتركليك، سي بي إس، مايكروسوفت، جوجل لكن الكثير منها تم رفضه لأن هذا الاختراق للخصوصية “لا يخالف القانون” وبعضها مازال في المحاكم.

 

الآن وبعد كل هذا إذا كنت لا تريد الدخول في متاهات استخدام المتصفحات والمواقع وكل الوسائل التي تحمي بياناتك الشخصية ولا تستغلها فعلى الأقل أنت تدري ما يحدث حولك.

 

كيف يتم التلاعب بك؟ -1-

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد