كم هي تافهة، السياسة في بلادنا العربية، تافهة ومضجرة وفي أغلب الأحيان عقيمة، فقط في أوطاننا المتطورة تخرج وزيرة «تربية وتعليم» لتلخص مشكلة انحطاط التعليم وانحداره في جملة واحدة، يا الله كم هي عبقرية تلك الوزيرة، وكم نحن أغبياء، عبقرية لأنها استطاعت أن تأخذ أعيننا بعيدًا عن المشكلة الرئيسة إلى ترهات خطابها وسخافة منطقها.

نعم، حقًا إنهم يدركون ما يفعلون ويعرفوننا حق المعرفة، نحن شعب جدل، ذاك الجهل المنغمس فينا يدركونه جيدًا، كما أنهم يعلمون أننا أمة تعصب وعنصرية، ولسنا أهل حوار ومعرفة، فقط عليك أن تعرف كيف تحرك «المرميطة» في صالحك و«المرميطة» مملوءة بأوراق اللعب خاصتهم، لا نعلم نحن شيئًا عنها، لكنهم يعلمون، وهذا يكفيهم ليحركوا «الكسكاس» أيضًا و«المقلة» وكل «السينية» لصالحهم.

أما نحن فعلينا الجدل والحديث أسابيع عن استبداد النظام، فقره السياسي أو عجز الاقتصاد، الصناعة، الزراعة، فساد المسؤولين وسرقة الدولة دون أن نفعل أي شيء سوى الكلام، ثم ننسى كل هذا مع أول ديربي لكرة القدم، أو مسابقة كرة يد، وقد ننسى كل شيء في لقاء الكلاسيكو بين مدريد وبرشلونة.

ولم يحدث يومًا أن فكرنا بمنطقية بحتة ورأينا الصورة كاملة، ماذا فعلنا لنستحق هذا النظام، وهذا البلد، رغم إدراكنا التام بأن الله يولي علينا من يشبهنا، نحن نحلم بشخص كأردوغان وميركل، ونظام اقتصادي كاليابان والصين وكوريا، وجيش عظيم كأمريكا، وصناعة حقيقية كألمانيا، وواقعنا أويحيى ولد عباس، عمارة بن يونس، بن غبريط، عمار غول وسيعيداني الدرابكي، في الإعلام نملك قنوات مثل قناة النهار والشروق، وصحافة كالهداف، لنصل إلى الصناعة طحكوت من يملك مصنعًا هو الأول في العالم لنفخ العجلات، وحداد الصالح لكل المجالات، وغيرهم من رجال النهب العام للأموال، أما في الأدب؛ فالأفكار عقيمة، ولا نملك إلا الكتابة عن الحب والوجع، لا نملك مالكًا بن نبي آخر أو غزاليًّا أو الشعراوي ومصطفى محمود، أو مفكرًا يدعو إلى التحضر والرقي في الأفكار، لا في الملابس والسيارات وعمارة البناء، لا نملك شيئًا يدعو إلى الفخر إلا أدمغة تغادرنا كل يوم لنتفاجأ بها غدًا في محطات أمريكا واليابان وفرنسا وألمانيا باكتشافات جديدة، وجوائز قيمة، في الفكر، والطب، والهندسة، وباقي المجالات، نعم كانت بالقرب منا، لكن كنا نشاهد وادي الذئاب، وباب الحارة، وترهات المسلسلات التركية ونسيناهم، لا هم لنا بالتكنولوجيا والتطور إلا ما يخص المحركات الجديدة لمرسيدس، وهواتف أيفون وسامسونغ الجديدة، لا هم لنا بأفكار ما لم يذكر بجانبها صنع في أوروبا، أو آسيا، أو أمريكا.

ثم في أول نجاح لهم ينقسم الشعب بين من يدعو على الدولة والنظام والمستبدين والحقيرين، ونصف آخر يطعن فيهم وفي وطنيتهم، وحتى اكتشافاتهم، بتهمة المؤامرة، فقط نمارس أي شيء يدعو إلى الجدل ولا نأخذ الدرس ونوقف نزيف الأدمغة، وندعم ما تبقى ليبقى، لكننا ننسى بعد برهة كل هذا، ونعود لننتظر شيئًا جديدًا يدعو إلى الجدل والتعصب.

نعم نحن نحِن للقبلية، ولا نتوق للتحضر والإسلام القيم، الذي كنا يومًا نعاصره ونمثله، لم نعد ندرك أن الإسلام يلغي القبلية والتعصب، لكننا مثقفون زيادة عن اللزوم، ونتشدق بنكران الحاضر والرجوع إلى الأصل لأنه فضيلة، آه من الأصل لو ندركه كيف كان.

كيف لأمة أن تتمنى أردوغان وهي لا تدرك تاريخها، لا تعرف شيئًا عن أساطيرها وأبطالها، وتعرف فقط من التاريخ هتلر وستالين وشي غيفارا وبابلو إسكوبار، كيف لنا أن نبلغ التطور ونحن لا نعلم أين نذهب ولا من أين أتينا، وبين هذا وهذا اتخذنا الصاروخ لننسى وركبنا زوارق الموت لنحيا، وفشلنا أن ننسى أو أن نحيا.

كم نحن ضائعون في هذا الزمان ويا ليت بوصلة الوعي تدركنا قبل أن نهلك علينا بالعمل والإيمان إن أردنا أن نعطي لتلك البسملة في فاتحة الكتاب مدرسي معنى، كي نحارب سلطة القمع والاستبداد علينا بالعلم والوعي ونكران الذات والتمسك بالقومية الإسلامية، علينا بالصعود على الكراسي ليرانا العالم أولًا، لا أن نجلس عليها لممارسة الدومينو والكارطة في مقهى، مستمتعين بقهوة سادة منسجمة مع صوت أويحي المتشائم والذي يدعو للانتحار سياسيًّا واقتصاديًّا، أو صوت بن غبريط وهي تقول: «لازمنا نحو البسملة من افتتاحية الكتب المدرسية».

نعم لديها كل الحق في هذا، فبعد أن نحذف البسملة ستحل كل مشاكل الاقتصاد، سيرتفع مستوى التعليم وترتقي الصناعة، أما خريجو الجامعات فالمنصب مضمون، وعلينا احتضان العلم والعالم، وستنتج القمع والشعير والتفاح، ولا أزمة حليب وخبز بعد اليوم، سوف نصدر الأفكار والمشاريع للعالم، وستصبح الجزائر مثالًا للتطور والتقدم في القرن الواحد والعشرين، لكن للأسف، لا شيء سيحدث من هذا، وستسمر تلك الغصة في الحلق وسيواصل الشباب الموت، إما بين أربعة حيطان بتهمة الحلم، وإما في بطن حوت بحجة الفرار نحو ما وراء البحر، وربما بمعجزة ما في وطن آخر ينبذك ولا يعترف بك إلا جثة هامدة ذات يوم في مشرحة مجهولة لتهديك أخيرًا بلادك شيئًا في تابوت وتذكرة رحلة عودة لن تدفع من ثمنها شيئًا، وقبرًا مهمشًا في مقبرة مكتظة بأشخاص لم تعرفهم لكنهم جيرانك الآن.

ليتكلم عنك شخص ما في فيسبوك لتصبح مجددًا قضية جدل لأسبوع من الزمن قبل أن تنسى كأنك لم تكن، ومجددًا كم هم أذكياء، وكم نحن أغبياء، كل الأوراق في الكسكاس ولا أوراق لنا، سيسرقون ويسرقون حتى تفلس الدولة ثم يحجزون تذكرة لسويسرا موطن أحلامهم هم، وبالوعة فلوسنا نحن. لك الله يا جزائر والله يهدينا نحن لنبصر ما لم يبصروا به، وهو الوعي والإسلام والالتزام بالقرآن؛ فإن الله لم يبدأ قرآنه الكريم باقرأ عبثًا والعياذ بالله؛ فالعلم أساس كل الشيء وللأسف لا علم لنا إلا الجدل وجلد الذات وعبادة الغرب.

في الأخير يبدو جليًّا أن أزمتنا ليست أزمة دولة ونظام فقط هي أكبر من ذلك بكثير، أزمتنا أزمة مجتمع وأفراد والأهم منذ ذلك كله أزمة فكر وعقيدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد