يقول محمود درويش: «لم نعد نعرف من منا الذي هاجر نحن أم الوطن؟»، هكذا لسان حال كل مغربي أنعم عليه الله بنعمة العقل السليم، وابتلاه بقدر يسير أو وفير من العقل النقدي، أصبح يشعر بالعزلة والاندهاش من مجتمع صنع من الفاشلين نجومًا ومشاهير، شعب استغفله الساسة فنعموا ببحبوحة الحياة بأصواته وأصبح المجانين والتافهون يصنعون رأيه العام ويملون على عامة الناس كيف يعيشون ويفكرون ويتصرفون، مجتمع بكل بساطة  ضل سبيل الإبداع والابتكار والتجديد وغرق في وحل الرداءة والابتذال في مختلف المجالات. لا أصنع خطابًا تيئيسًا ولا أنتصر للعدمية، ولكن ما يحدث اليوم في المجتمع المغربي يستدعي دق ناقوس الخطر أكثر من الاستسلام للخطابات الرنانة ووعود الإصلاح من المسؤولين.

نسبة القراءة في المغرب لا تتجاوز الدقيقتين كل يوم بالنسبة للفرد حسب المندوبية السامية للتخطيط، معدل التمدرس منحصر في 5 سنوات ونصف تقريبًا حسب المجلس الأعلى للتربية والتكوين. أما الرأي العام المغربي فمر من مرحلة الـتأثر بالسياسيين والفئة المثقفة إلى حدود سنوات التسعينيات إلى مرحلة أصبح الإعلام الذي تفتقر أغلب منابره للاستقلالية والمهنية يؤثر في مواقف الناس، وأصبح من هب ودب خصوصًا في وسائط التواصل الاجتماعي يحشد ملايين لتبني تصوراته وآرائه . كل هذه  الإحصائيات والمعطيات تجعل من الرداءة ظاهرة قائمة بذاتها وتستحق بحثًا سوسيولوجيًّا كي نجيب على إشكالية محيرةـ: هل سقطنا في فخ التطبيع مع الرداءة؟ أم أن الرداءة أصبحت واقعًا لا مفر منه نتاجًا لأزمات اجتماعية وتربوية وأخلاقية؟أم الأمران معًا؟

باعتبارنا مغاربة لنا غيرة على هذا الوطن، يحز في أنفسنا انتشار مجموعة من الكليشيهات والأفكار المبتذلة  في مجتمع ما زال معظم أفراده يفتقرون لثقافة تقبل الآخر، والمثال الأبرز  على ذلك هو الحملة الشرسة التي تعرض لها الدكتور عدنان إبراهيم بمجرد أن شاع خبر مجيئه للمغرب، وذلك لمجرد تعارض مواقفه مع مواقف يعض التيارات السلفية في المغرب. وما زال يعتبر الكثيرون الحديث عن المساوة في الإرث أو الحرية الجنسية مثلا هو سبب كاف لتكفير صاحب هذه الأفكار التي يعتبرها البعض دخيلة وتهدد قيم ومبادئ المجتمع.

ما يؤزم وضعية البلد هو افتقارها لنخبة سياسية مؤهلة يهمها مصلحة المواطنين أكثر من التهافت على الحقائب الوزارية، والدليل على ذلك هو عجز حكومة سعد الدين العثماني عن تدبير الأزمة التي فجرتها  المقاطعة الشعبية الأخيرة وخطابات وزرائها التي تأرجحت بين الوعيد والتخوين واستعطاف المواطنين لوقف تعنتهم، لأن مقاطعتهم ألحقت ضررًا بالشركات المقاطعة. عندما يعجز السياسي الذي يفترض أنه يتقن فن صناعة الخطاب والإقناع حتى في التعامل بكياسة مع أسئلة الصحفيين مثل ما وقع مع الوزيرين محمد بوسعيد ومحمد يتيم، فهذا دليل على أن الصورة السوداوية التي يحتفظ به المغاربة عن السياسي كرجل يفتقر للمصداقية والنزاهة والكفاءة أيضًا لها القدر الكبير من المشروعية.

حتى  الحقل الفني، الذي يفترض أنه ملاذ المبدعين ويعول عليه للرقي بالذوق العام، لم يسلم من الميوعة والأعمال الرديئة كان آخرها أغنية «لملحمة» التي تم ارتجالها ببشاعة دعمًا للأسود في مونديال روسيا، لكنها تحولت  لمادة للسخرية والاستهزاء في مواقع التواصل الاجتماعي. أغنية «الملحمة» هي امتداد للسيل الجارف من الأغاني التي ترفع شعار الأغنية الشبابية المجددة لكنها غارقة في الكلمات المبتذلة والمحاولات الإغرائية الفجة التي وصلت إلى حدود استعمال إيحاءات جنسية في أحد «الفيديوكليبات». المؤسف أنك عندما تطلع على نسب المشاهدة القياسي هذه الأعمال تدرك أن المواطن المغربي هو من يصنع مجد بعض الفاشلين والمحظوظين الذين اتخدوا من الفنون جسر هينا للاغتناء السريع.

الرياضة، متنفس الحالمين وسبيل الانعتاق للعديد من سكان دول العالم الثالث، لم تسلم بدورها من مستنقع الرداءة والتواضع التسييري، فكيف يعقل أن يعاني فريق مرجعي من حجم الرجاء الرياضي البيضاوي من أزمة تسييرية لمدة تزيد عن 4 سنوات، أو أن تغلق ملاعب لأسابيع لاستضافها مباراة دولية ودية. ولأننا في بلاد العجائب، لا عيب أيضًا في أن يستعين فريق كروي بخدمات ثلاثة مدربين في السنة الواحدة أو أن يمارس لاعب في بطولة من المفترض أنها احترافية دون راتب شهري.

عندما ننتقد ما يحدث في البلد، فنحن لا نجلس في برجنا العالي ونسفه كل ما أنجز فيه ولكننا نخشى أن تصبح  الرداءة في يوم من الأيام محايثة لكل ما تصنعه أنامل وعقول المغاربة، نخشى أن يأتي علينا زمن يصير فيه القارئ منكمشًا في عزلة قاتلة وأن يوصف بالماضوي مدعي الثقافة والمغترب في عصر الثورة الرقمية وأن يصبح الإبداع وليس الابتداع عملة نادرة  في زمن التهافت على الرداءة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد