يحتل الخطاب السياسي مكانة مهمة في المجتمع، فالسياسة مثلها مثل الاقتصاد والدين هي عصب الحياة، فكل فرد في المجتمع يتمتع بثقافة سياسية ولو بقدر بسيط، ويعج الخطاب السياسي بالأيديولوجية التي تعتبر مفهومًا غامضًا، فالخطاب الذي يتبنى أفكارًا معينة، يلقي بأيديولوجيته إلى الناس محاولًا التأثير فيهم وتوجيه سلوكهم بغرض تحقيق مصلحة معينة ويعتمد في ذلك إما على خطاب ظاهر معلن، يبرر أفكاره بشكل صريح وإما باللجوء إلى أسلوب غير مباشر، فيعبر عن آرائه ليقوم أهل الاختصاص بالتنقيب عن المسكوت عنه، والكامن وراء ظاهر الألفاظ.

وهنا يظهر دور المحلل السياسي والذي يهتم بوجه عام بالحدث L’événement هدفه بالأساس هو إنارة الرأي العام، وإخبارهم بما يجري من وقائع في الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية مع توضيحها قدر الإمكان والكشف عن الأسباب المباشرة التي تتحكم فيها دون تبرير أي موقف والدفاع عنه.

لكن في المغرب كلما كان خطاب أو حدث سياسي تظهر نفس الوجوه على المنابر الإعلامية لاجترار التحليل المألوف والمعد سلفًا، فيقومون بدور المحلل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري والنفسي والثقافي وحتى الرياضي في غياب أهل الاختصاص.

فالتضليل السياسي الذي أشكاله وطرائقه موضع تحليل معرفي ومادة لكتابات سياسية حديثة وهو النهج الذي ما زال المحللون السياسيون يمارسونه بأكثر أشكاله تخلفًا وبشاعة وتقدمه بديلًا مستدامًا عن الإصلاح والتغيير الحقيقي وتجعل منه الخيار الوحيد (كما يبدو) الذي تجده بمتناول اليد للبقاء والاستمرار في الحكم وتبرير السياسات الفاشلة.

هنا يكمن الفرق بين الفكر الغربي والفكر العربي في السياسة حيث إن الفكر الغربي يحاول بناء خطاب يتحرر تدريجيًا من سلطة السلطة كمفهوم مركزي (التعددية، القطاع الخاص، المجتمع المدني، الانتخاب الإنسان) بينما يرتكز الفكر العربي عمومًا والمغرب خصوصًا على خدمة سلطة السلطة.

  فبين الديماغوجية والواقعية في تحليل الخطاب السياسي يتحدد مستقبل الشعوب ومصيرها، وترتسم مواقع الأمم والدول، فإما أن يقودها هذا التحليل إلى مواجهات مفتوحة على الاحتمالات السلبية كافة، سواء مع محيطها أو مع المجتمع الدولي المقرر.

فالخطاب الديماغوجي يرتكز على كلام فضفاض لا منطق له، ويحاول صاحبه من خلال استعراض قواه وبطولاته الوهمية، إغراء الجمهور واستمالة الرأي العام وخداع الناس وخدمة أجندته السياسية، فيما الخطاب الواقعي أو العقلاني يقوم على التجرد من كل مصلحة شخصية ـذاتية، ويرتكز على صياغة حوارية وعلى أفكار بناءة ومسؤولة، وذلك في محاولة من صاحبه لتصويب المسارات السيادية عبر توعية الشعب وتنبيهه مما يحاك له من مؤامرات تهدد مستقبله ومصالح دولته.

ففي الوقت الراهن نلاحظ ارتفاع أصوات كثيرة حاولت أن تحل محل الخطاب الرسمي، وأن تعلل علو صوتها بخفوت صوت المسؤول الحريص على وطنه.

ففي غياب منهجية ومأسسة التعاطي مع الأزمات، تخرج الأصوات التي تحاول ملء الفراغ بتحليلها للمواقف من مرجعيات متحكم فيها من لدن السلطة.

المشكلة في الخطاب الديماغوجي أنه يحاكي عنفوان الشعوب إنما بطرق ملتوية مشبّعة بعقائد إما حزبية وإما طائفية ومذهبية وإما عرقية مليئة بالمغالطات والمتناقضات، وهو خطاب انتهازي متخصص بغزو العقول غير المثقفة سياسيًا ووطنيًا، من خلال اللعب على الوتر الوجودي والتخويف من، على عكس الخطاب الواقعي المتميز بالجدية والمسؤولية الوطنية حيال وجودية الدولة واستمراريتها على قاعدة الفصل بين التبعية لهذا الزعيم وتلك المرجعية، وبين الانتماء للهوية الوطنية فقط لا غير، وهو الخطاب الذي نحتاج إليه اليوم في المغرب، لإعادة تكوين مواطنة صالحة قائمة على الانتماء للوطن والكيان، وغير تابعة لرئيس حزب معين أو لملهم أو لأي مرجعية أخرى غير مرجعية الدولة.

إن جميع المحللين السياسيين مدعوون اليوم إلى مراجعة خطاباتهم بكلّ أركانها حتّى يتصالحوا مع الجماهير ويفلحوا في إعادة روح الأمل إليها بعد أن كدّرت المشاكل الاجتماعية والاقتصاديّة النّفوس وأصابتها بالإحباط وحتّى تعيد صياغة مشاريعها وفق رؤى واقعيّة مستندة إلى المستجدّات الحاصلة على جميع المستويات، وهذا يفرض على صانعي الخطاب السياسي مراعاة عدة خطوات إجرائية لعل في مقدمتها:

ـ- ضرورة مراجعة «الوصفات السياسيّة الجاهزة» التي غالبًا ما يتواتر ذكرها عند الإسلاميين والاشتراكيين والقوميين وغيرهم من الأحزاب الأيديولوجية، فتبدو أقرب إلى الشعارات المتعالية على الواقع ومخرجاته.

صياغة خطابات بعيدة عن تكريس تقسيم أبناء الشعب الواحد؛ واستبدال خطاب توافقي بها يتبنى قيم التسامح ويقرّ بالحق في الاختلاف والتعدّد والتنوع وبدعم قيم المواطنة.

وضع خطط واقعية وجذّابة من خلال السعي إلى إشراك الكفاءات في اتخاذ القرار، شرط أن تنتمي تلك الكفاءات إلى ميادين مختلفة كعلم الاجتماع والاقتصاد والقانون وعلم النفس وعلم التواصل واللسانيات والفنون، فكلما اتّسعت دائرة الاستشارة لتضمّ مختصين متنوّعين، كانت أكثر التحامًا بقضايا الواقع، وأقدر على مجابهتها وإيجاد الخطط الكفيلة بحلّها، فيبتعد الخطاب السياسي عن الحديث عمّا يعارضه إلى الحديث بجدّية عمّا يعتزم تحقيقه وفق رؤية واضحة المعالم.

تكثيف الزيارات الميدانية إلى مختلف المناطق، والالتحام بالشعب وعقد لقاءات دورية للتشاور وطرح المشكلات الوطنية على طاولة النقاش؛ فيكون الخطاب السياسي حينئذ نابعًا فعلًا من عُمق الشعب، وقادرًا على كسب ثقته وإشعاره بأنه عنصر فاعل في بلورة الخطاب، مما يجعل اللغة بين الطرفين مشتركة فعلًا.

– تكثيف منابر الحوار مع جميع الأطياف السياسية تتدارس مستجدات الساحة الوطنية على كافة الأصعدة.

إننا لا ندعي أن ما ذكرناه يُحصي كل الطرائق التي من شأنها أن تجوّد تحليل الخطاب السياسي المغربي، ولكنها نقاط نراها جوهرية وضرورية في الوقت الراهن من أجل الخروج بالخطاب السياسي من النمطية ومن اللغة الخشبية إلى رحاب الواقع، في لغة تلامس قضايا الواقع وتسعى إلى إيحاد حلول حقيقية لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد