تنمو النباتات غضة صغيرة؛ فتضرب بجذورها في الأرض، وتنطلق سيقانها نحو السماء، تبحث عن الهواء، والحياة، وضوء الشمس، تنشأ في النور والهواء، وتواجه الرياح والعواصف.

أما الجذور فتتعمق في الأرض؛ تبحث عن الحياة أيضًا، ولكن في الأعماق. وبين السيقان والجذور علاقة البقاء وعلاقة الاتصال؛ اتصال لا يمكن أن ينقطع أبدًا، فبدون الجذور؛ تموت السيقان، وتذبل الأوراق، وتيبس الثمار، وبدون الجذور لا توجد حياة، بل تنتهي الحياة. أما السيقان؛ فإذا ذبلت تورق من جديد، والأوراق إذا سقطت تنبت من جديد، شريطة أن تكون الجذور سليمة، وتنبض بالحياة.

يعيش الإنسان في ذات النسق، ونفس الأسلوب؛ فتتمدد روحه وعقله وأفكاره عميقًا، حيث الحياة الداخلية، والقيم، والشعور، والذات، والثوابت، والمعتقدات، بعيدًا عن الأضواء، عميقًا تنمو مشاعرنا مثل الجذور، وتتعمق قيمنا، وآمالنا، وأحلامنا.

أما أجسامنا وجوارحنا؛ فتتحرك بين الناس باعتبارها سيقانًا تتقاذفها الرياح، وأوراقًا يحنو عليها ضوء الشمس، ويلسعها برد الشتاء، ويلفحها حر الصيف، وتسقطها أنامل الخريف، ثم تعاود النمو من جديد. إنها الجذور العميقة تحت غبار الأجساد والأحداث، تنبض بالحياة؛ فتنبت الأوراق، وتزهر الأجساد، وتتفتح ثمار الحياة، ويعود الأمل من جديد.

وإذا كانت النباتات والأشجار لا تستطيع أن تنفصل عن جذورها، ولا تتحرك بعيدًا عنها أبدًا؛ فإن الإنسان مخيرٌ، يغادر جذوره، ويتحرك بعيدًا عن قيمه، وشعوره، وذاته، ويفرح بصخب الحياة، وينشغل بالناس، ويلهو ويجري هنا وهناك، حتى إذا أدمت الأيام جسده، وأتعبت قلبه؛ أخذ يبحث عن جذوره، وقيمه، ومشاعره؛ فيلتئم معها ويعيد صياغة أولوياته، وأحلامه، وآماله.

الزواج علاقة إنسانية، وشعورية، وروحية بالغة العمق والأثر؛ فالترابط الوجداني أعمق من أن يُلحظ، والتواصل الروحي أوثق من أن يتفكك؛ فالجذور متداخلة، متشابكة، متصلة، وهنا يحدث ميل الأجساد، وتآلف الحواس، والتقاء الآمال والأحلام.

إنه انتماء للعمق، وارتباط بالجذور، قوي التماسك، عظيم الترابط، حياة واحدة، وجذر واحد، وعمق واحد، وقيم واحدة، وروح واحدة. هنا تتلمس معنى الارتباط الأبدي المقدس المؤبد؛ إنه ارتباط مبني على انتماء لا يتزعزع، وولاء لا يهتز، واتصال تقوم عليه الحياة، وانفصال يؤدي إلى الموت.

هنا تتلاشى كل نظريات التوافق، وافتراضات الطبائع، واختلافات الكواكب، وحديث النساء من الزهرة والرجال من المريخ، هنا تتعمق شجرة هذا الترابط، وتضرب بجذورها أعماق الأرض، والحياة، والوجود.

أما إذا كان التشابك تشابك أغصان وأجساد؛ فلا عجب أن تجد ملايين الأسر مثل النباتات المتسلقة، تترابط خيوط سيقانها، وتتشابك وليس لها جذور، وتجد ملايين الأسر تسكن أجسادهم في مكان واحد، وأرواحهم متباعدة تباعد المشرق والمغرب؛ يحيون حياة الأغراب بين جدران الاغتراب، يتبادلون المنفعة؛ فهي تطبخ وتكنس، وهو يعمل وينفق، أو يتقاسمون تكلفة المعيشة التى تشبه الموت.

حتى إذا أورقت تلك الأسر، أورقت أوراقًا، مثل أوراق الأشجار، يحسبها الناس كذلك، أما إذا أثمرت كانت ثمارها لا تؤكل؛ فينشأ الأولاد أيضًا على حياة المشاركة، والمقايضة، والاقتسام، وليس حياة الانتماء، والارتباط، والالتئام.

الانتماء هو الارتباط الحقيقي، وليس الظاهري فهو التعلق، والحب هو التمسك بمن نحب، نحبهم وننتمي إليهم وجدانيًا، وعاطفيًا، وشعوريًا، وإنسانيًا. والانتماء ينمو ويتعمق بعمق الحياة، وعمق الجذور، ويموت ويضعف بضعف الحياة، وتآكل الجذور.

أين الخلل وأين الداء؟ هل فَقدْ الانتماء منذ الصغر هو الداء؟ كثير من الرجال والنساء انفصلوا عن جذورهم منذ القدم، وعاشوا بسيقانهم فقط، أجساد بلا عمق، ولا روح، ولا شعور، كثيرون تزوجوا في تنافس عجيب بينهم وبين من حولهم، كثيرون تزوجوا ليبرهنوا لمن حولهم أنهم جديرون ومميزون؛ إنه زواج بلا انتماء، ولا ارتباط، بلا عمق أو جذور. هنا تتراجع مفاهيم الاختيار، ومعايير الانتقاء، واشتراطات القبول، واعتبارات الصالونات، أو الفترينات.

وبين النقيضين يتذبذب الأزواج والزوجات؛ بين الحب واللاحب، بين الميل والنفور، والالتقاء والتشتت، والهدوء والصراخ، والرضا والسخط؛ إنه الزواج واللازواج، أو الحياة واللاحياة، هنا تصبح التوافه جبالًا تدور لأجلها المعارك، والحروب، أو تذوب بابتسامات القلوب، هنا تصبح الكلمات سهامًا تدمي، وخناجر تصيب، وسكاكين تقطع، أو تصبح بلسمًا للأرواح، وشفاءً للعيون.

هنا يمكننا أن نفهم وندرك لماذا بعض البيوت إذا دخلتها تشعر فيها بالاطمئنان، والراحة، والسكينة، وبعضها الآخر تشعر فيها بالضيق، والانقباض؛ فهل هو عمق الانتماء، أم الانتماء للعمق؟ إنه معيار النجاح وسبيل البناء والسعادة.

فرفقًا بأناس يعيشون في قصور مثل القبور، ورفقًا بأرواح تتعذب، لا يعلم عنها أحد شيئًا إلا خالقها، ورفقًا بمن يعيشون حولنا؛ فيتألمون ونؤلمهم أكثر، حينما نسألهم ماذا ولماذا وكيف. ورفقًا بقلوب نرتبط معها رباط الأجساد؛ فنشقيها، وتشقينا، وأطفال لا يملكون من الدنيا إلا باهظ أثمان خسارتنا.

رفقًا بالجذور.. رفقًا بالأرواح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد