لا تقلق هذا ليس مقالا نسويًا، لن أتحدث هنا عن حرية عيش الفتاة بمفردها أو حريتها الجنسية أو حرية تطليق زوجها متى أرادت، ومع احترامي للنسويات ومواضيعهن ولكن هذه الأمور لا تعنيني البتة ولن تكون محور نقاشي منذ مدة قصيرة ومع ارتفاع أسعار الذهب الجنونية ظهرت مطالبات بإلغاء الشبكة ومطالبات مضادة بعدم إلغائها مهما زاد سعر الذهب، ومطالبات ثالثة تقضي بالتيسير والاستغناء عن بعض الأمور مع ضمان حق البنت سواء كان شبكة أو شقة أو مهرًا.

مبدئيًا، أنا واحدة من أشد المؤيدين لتخفيف الأعباء عن الرجل، ليس انحيازًا على قدر ما هو سرد لحقيقة أننا في بلد نسبة البطالة فيها قاربت على 50% وأن نظام تعليمها ترتيبه قبل الأخير على العالم مما يجعل سنين التعليم التي تصل إلى 16 سنة وأحيانًا أكثر تضيع هباء مع أول محاولة للبحث عن وظيفة. لابد أن تكون متقنًا للإنجليزية إتقانًا تامًا، ومتقن للتعامل مع الكمبيوتر بكل برامجه، لابد من شهادة خبرة من أي مكان وظيفي تثبت أنك امتهنت هذه الوظيفة من قبل، والمزيد من اللابد الأخرى التي تحتاج إلى تدريبات بمبالغ تعادل كل المبالغ التي أنفقتها على دروس الثانوية العامة أو تعليمك الجامعي، إذا لم تكن من مريدي الجامعات الخاصة ذات الألوف المؤلفة ودفعت بما يكفي وخرب بيتك بالفعل
وبعد أن يجتاز الشاب كل هذا ويحصل على الوظيفة التي حلم بها، يصطدم بالمرتب الزهيد الذي لا يتناسب مع الأسعار الجنونية التي تعاني منها مصر الآن. من أين أعيش؟ كيف سيصمد مرتبي إلى نهاية الشهر؟ وماذا عن الزواج، فهو سنة الحياة وشرع من الله سبحانه وتعالى؟
الحل بسيط يا عزيزي، استدن مالًا من أي أحد، أو خذ القرض البنكي ذا الفائدة العظيمة التي نعلمها جميعا، أو اطلب من والدك أو والدتك اللذين أنفقا عليك الأموال طوال هذه السنين أن ينفقوا على زواجك أيضًا.
حسنا، نجحت في تدبير المال، ماذا بعد؟ البحث عن العروس المناسبة لك، إذن لنتخطى هذه التفاصيل ونعتبر أننا وجدناها ماذا سيحدث بعد ذلك؟
«اسمع يا ابني، احنا بنشتري راجل بس مش معنى كده أنك تعيش بنتي في مستوى أقل من اللي هي فيه أو تدبسها في جوازة أقل من جوازات اخواتها البنات، يعني على الأقل خالص شبكة بـ 20 ألف وشقة تمليك لأن الإيجار مش مضمون والمهر طبعا».
بالطبع ما إن يسمع الشاب هذا، حتى يفكر في طريقة للخروج سريعًا من هذا المنزل، وما إن ينجح وينفرد بنفسه حتى يكتب منشورًا مليئًا بالسباب واللعنات على مواقع التواصل الاجتماعي على الزواج والبنات والآباء والذين يريدون الزواج.. وعلى الجانب الآخر عندما تعرف تلك الفتاة أن العريس الذي تقدم لها من فترة صرف نظر عن هذه الزيجة فتبدأ هي الأخرى بكتابة منشور عن ذلك الشباب المستهتر الذي يريد أن يتزوج بالمجان لأجل أن يكون له حرية الطلاق دون قيود والذي بالضرورة لن يصرف على أبنائه جنيها طالما لن يدفع جنيها في الزواج، وأنا لن أكون تكرارًا لنموذج ابنة عمي التي تزوجت دون شبكة ومهر وأصبح زوجها يذلها يوميًا بأنها لم تجد من يتزوجها لذلك تزوجت بالمجان.

إن شئنا إنصافًا فيجب القول أن وجهة نظر الإثنين فيها شيء من الصواب، الشاب على حق لأنه عمليًا ونظريًا وفلسفيًا حتى لا يوجد شاب في مقتبل العمر يقدر على دفع كل هذه المبالغ، حتى لو استعان بأصدقائه وأقاربه سيظل هناك أشياء ناقصة لم يشترها وسيظل مدينًا للعديد من الناس، الأمر الذي سيجعله دائمًا تحت ضغط نفسي رهيب من المحتمل أن يقوده لكراهية تلك الفتاة لأنها من وجهة نظره السبب في كل هذه الديون، ناهيك عن إنجاب الأطفال الذي سيقضي على الأخضر واليابس ولن يقدر الشاب على جمع فتات نفسه ثانية إلا بعد أن يصاب بالفالج من كل هذه المسؤوليات.

والفتاة أيضًا على حق، فالمجتمع المصري في الأساس لا ينصف المطلقة أو الأرملة في شيء، وأوراق القضايا المكدسة في محاكم الأسرة تشهد بهذا، وكل الحكايات التي نسمعها عن الأب الذي أشار على عريس ابنته بتقليل المؤخر حتى لا تذهب نسبة كبيرة منه للمأذون وهو أحق بكل قرش ثم أثناء الطلاق يستغل الشاب الموقف ولا يوافق بدفع أي مؤخر للبنت، وعن الرجل الذي ضحت الفتاة التي تحبه بالشبكة وحفل الزفاف وليلة العمر والفستان الأبيض بسبب ظروفه الاقتصادية وكان منه أن تزوج ثانية وعندما هددته بأنها ستتطلق منه وافق على الفور معللًا أنه لن يكلفه الطلاق شيئًا لأني لم أدفع لك قرشًا في الزواج فلماذا أرفض، والزواج من مغتربات بدون شبكة أو مهر ثم البدء في ضربهن وإهانتهن متعللين أن حتى المحاكم لن تنقذك مني لأني لم أدفع لك أي أموال لتسترديها مني في المحكمة، كل تلك الأمثلة وغيرها ليست سيناريوهات لأفلام خيال علمي، بل هو الواقع الذي لا ينكره إلا مغيب أو جاهل، إذن ما العمل؟ ما من طريق للخروج من هذه المتاهة؟

اقترح مؤخرًا عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي استبدال الشبكة الذهب بالفضة، فالفضة رخيصة نوعًا ولن تشكل ذلك العبء المادي الذي يسببه الذهب. وأخيرًا، سجدة شكر، فلنبتهل إلى الله أن يطبقوا هذا من الآن، ثم فجأة ظهرت أصوات أنثوية تقول: ومن قال إننا موافقون، لقد عشنا عمرنا نرى أقاربنا وأصدقاءنا وهم يشترون الذهب حتي صرنا نحن أيضًا نحلم بنفس الأمنية وتأتوا أنتم باقتراح أبله يدمر لنا أحلامنا، لن نتنازل عن الذهب والذي لا يملك المال لا يتزوج، ثم ردت عليها أصوات رجالية: وما الفرق بين الذهب والفضة، وما الذي يضمن لي ألا تحدث كارثة اقتصادية ما ترفع أسعار الفضة هي الأخرى أو تطلب الفتاة عدد حُلِيّ لا نهائي مستغلة انخفاض سعرها، ما الداعي لكل هذا، الدبلة تكفي، كما أننا نشتري الشقة وندفع ثمن قاعة الزفاف أيضًا، لماذا لا تضعوا أنفسكم مكاننا؟ فترد عليهم الفتيات بأنهم بالفعل يساهمون في فرش الشقة وشراء كل الأجهزة الموجودة فيها واحتياجات المطبخ غير «النيش» كما أن هناك أهالي فتيات أصبحوا يساهمون في ثمن الشقة، لم لا تنظرون للبلاد المجاورة التي تتزوج فيها البنت بحقيبة ملابسها فقط؟

وهنا نجد سؤالًا يطرح نفسه وبشدة: لماذا لا نحذف من الآراء السالف ذكرها الأشياء غير المستخدمة؟ بالله عليكم ما فائدة زفاف في قاعة فخمة يكلف أكثر من عشرين ألف جنيه في بضع ساعات من أجل أن يتمايل أصحاب العروسة والعريس على أنغام موسيقى صاخبة وتعلق عجائز الفرح على فستان العروسة الذي لا يليق بها وتصر الأمهات على تصوير أطفالهن وهم جالسون بجانب العريس والعروسة؟ ما فائدة هذا الشيء المسمى بـ«النيش»؟ ها نحن قد تخطينا العشرين من عمرنا ولم نر أمهاتنا طوال هذه السنوات يستخدمون منه ملعقة واحدة حتى! فهو مكدس بالأطباق عتيقة الطراز ومكسو بكميات مهولة من الأتربة ولا يقدر أحد على لمسه حتى، فهو تابو مقدس إذا لمسته سينكسر كل شيء وستستشيط أمك غضبًا وحسرة على أثمن أطباق صنعت منذ بدء الخليقة؟ ما فائدة كميات المفروشات التي تشتريها الفتيات؟ من كل لون تشتري أكثر من مفرشين وفي المقابل أكثر من منشفة تليق بألوان المفروشات، وهناك المفارش المطرزة التي تفرش عند زيارة الضيوف وهناك المفارش المرسوم عليها لعب الأطفال الخاصة بحجرة الأطفال ثم تلك الخزانة المخصصة لاحتواء كل هذه المفارش. ما هذا الازدحام المبالغ فيه؟

لماذا يتعين على الزوج والزوجة شراء كل هذا؟ في أي آية من القرآن نزل فيها شراء هذه الأشياء؟ ما مقدرة كثرة المفارش أو أطباق المطبخ على سعادة واستقرار الحياة الزوجية؟

بالطبع سيظهر من يقول أن هذه الأشياء هي نفسها التي طالبنا بإلغائها وأنتم رفضتم وقلتم إنها حقوقكم، الحقيقة أن حقوق الزوجة معروفة للجميع بشهادة القرآن الكريم وسنة نبينا الحبيب، فليس من المعقول أن يقول سبحانه وتعالى في سورة النساء «وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا» ويأتي رجل يتزوج بفتاة مغتربة أو لاجئة أو حتى فقيرة أو يتيمة ولا يعطيها مهرًا ولا شبكة بحجة ظروفها الصعبة وأنها يجب أن تشكره في الأساس لأنه (سيستر عليها) على حد قوله، وإذا أعطى لها شيئًا يأخده منها أثناء الطلاق بحجة أنه حقه رغم أن الله سبحانه وتعالى أمرنا في سورة النساء: «وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا»، ولا يعقل أيضًا أن يقول رسولنا الكريم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» وفي حديث آخر ينصح صحابي أراد الزواج بفتاة ولكن ليس معه لكي يعطيها صداقها فيقول له: «التمس ولو خاتمًا من حديد» ويصر أهل الفتاة على فسخ خطبة ابنتهم لأنه لم يشتر لها هدايا كثيرة مثلما فعل خطيبب ابنة خالتها.

لذا رفقًا بأنفسنا وبالآخرين أعزائي، أنت، لا داعي لأن تعامل زوجتك باحتقار وتهدرها حقها وتجعل كل من تقرأ نموذجك المعقد هذا تطلب المزيد من الأموال لتأمين نفسها، لن يتحاكى المحيطون بك برجولتك وأنت تجر زوجتك في قاعات المحاكم للمطالبة بحقوقها؟ وأنتِ لا داعي لأن تتزوجي نفس زيجة صديقتك أو قريبتك بكل مصاريفاها دون مراعاة ظروف الشخص الذي ستشاركينه حياته حتى لا تسقطي من نظر أحد ويقال أنك رخيصة تزوجت بالمجان، فمن الممكن أن يأتي الثري صاحب الفيلا والسيارة ويهينك فيما بعد بأنه اشتراكِ بأمواله، كما أن المجتمع الذي تتصرفون لإرضائه حفاظًا علي ماء وجهكم أمامه لم يرفق بكم ولم يرحمكم في شيء، فهم تزوجوا في زمن كان جرام الذهب فيه ببضعة قروش ويريدون منا أن نلبس قناطير الذهب ما أن ارتبطنا، لم نحظ بتعليم محترم ولا بوظيفة تكفل قوت يومنا ويريدون أن نتزوج قبل أن ننهي دراستنا، يريدوننا أن ننجب مثلهم بالأربع والخمس أطفال في زمن علبة الحليب فيه تجاوزت المائة جنيه، يدعون ليل نهار أنهم متدينون بطبعهم وهم أول من يحرمون الطلاق على أولادهم إذا إستحالت حياتهم مع أزواجهم، هم يريدوننا نسخة منهم في زمن أغبر لم يتركونا حتى لنغيره للأفضل، لذا دعوهم يذهبون بآرائهم العتيقة إلى الجحيم وافعلوا ما يسهل عليكم حياتكم وحسب، فالحياة معقدة بما تكفي لكي تأتوا بشريك حياة يعقدها عليكم أكثر.

ونرجو أيضًا الكف عن ذم كل من ترفض إلغاء الشبكة بحجة أنها نسوية متعصبة لحقوق المرأة، فالله عز وجل الذي خلقنا جميعًا هو من وضع شروطًا للزواج من النساء في سورة أسماها باسمهم، إذا كنت غير مقتنع بهذا، فالهندوسيات والبوذيات اللاتي يعطين مهرًا للرجال حتى يوافقوا على الزواج بهن كثيرات للغاية، لما لا تجربون حظكم معهن؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد