تنزح السينما الأمريكية تدريجيًا نحو المزيد من إذابة القيم الكبرى والمفاهيم الصلبة التي هيمنت فيما مضى. ويعد ذلك جزءًا من الحالة العالمية النازعة إلى اللايقينية والتحرر من القيود وتغييب هيمنة الصلب والحاكم.

زادت الألفاظًا الفاحشة واللغة البذيئة في كل سطر، والتفنن في تطوير هذه الألفاظ وصقلها، وإظهار العورات المغلظة والعلاقات الجنسية والمثلية عوضًا عن التلميح إليها، وزاد تسطيح العلاقات والتبديل المستمر لها، وزاد الاحتفاء بالمظهر والجسد بدلًا عن القيمة الكامنة.

وفي خضم هذا السيلان من المهم الاحتفاء بالأفلام التي تسير عكس التيار قليلًا والتي تبلور مفاهيم وقيم آخذه في الاندثار، ومن بين تلك: أفلام المخرج ديفيد فرانكل والذي يركز في أفلامه علي قيم الزواج والأسرة والحياة العائلية.

لعل أشهر أفلامه التي نعرفها الفيلم الممتع The devil wears prada إذ تكمن القيمة الأساسية في الفيلم في تصادم العمل مع الحياة العائلية وحياة الصداقة، فكلما تفوقت أكثر في عملك أثر ذلك سلبًا على حياتك العائلية إلى الحد الذي تتدمر معه تمامًا.

وفي أحد المشاهد التي تقابل فيه البطلة والدها ويخرجان للعشاء بعد فترة من عدم التقائهما، يتحول المشهد في كوميديا بارعة إلى فساد هذا اللقاء العائلي بسبب اتصال صاحبة العمل بالبطلة تطلب منها حجز طائرة في الحال لأن حجزها قد أُلغي بسبب الظروف الجوية.

وتضيع الأمسية بكاملها في محاولة البطلة توفير ذلك الحجز، فلا تعد تلك الأمسية عائلية، ولكنها تتحول إلى مزيد من العمل.

تخسر البطلة حياتها العاطفية وتخسر أصدقاءها وتخسر نفسها وكرامتها، ثم تنتبه في النهاية أنها تخسر أيضًا قيمًا مهمة عندما تدرك أن العمل يدفعها إلي تقديم مصلحتها وإيذاء الآخرين من أجل النمو.

في نهاية الفيلم تقرر البطلة ترك العمل بعد أن أدركت في لحظة فارقة أنها تتخلى عن قيم أساسية، وأن إنسانيتها وكرامتها وحياتها العاطفية والعائلية أهم.

الكثير منا شاهد الفيلم، لكنك عندما تتتبع بقية أعمال المخرج ديفيد فرانكل تدرك أن قيم الزواج والأسرة والحياة العائلية ليست شيئا عارضًا، وإنما هي قيم متكررة في أفلامه.

هذا بالإضافة لحبه التصوير في الأماكن الخارجية، فكثير من مشاهده تصور في الشارع أو خارج الأبنية بالقرب من أبوابها أو في المترو، ولديه أيضًا أسلوب المشهد الذي تتابع فيه الصور بسرعة وهو أسلوب لطيف..

فلنلق نظرة على بقية أفلام الرجل الأقل شهرة من The devil wears prada ونبدأ بـYou, me and marley ذلك الفيلم الرائع عن قصة أسرة منذ نشأتها بزواج البطل والبطلة وشرائهما لذلك الكلب غير المدرب ومحاولة الزوج والزوجة مرارًا تدريبه دون فائدة، فيستسلمان في نهاية الأمر ويبقيان الكلب على حاله دون تدريب.

ثم تتوالى الأيام وينجبان ثلاثة من الأطفال ويمران بكل المتاعب التقليدية التي تمر بها الأسرة، فالأب الصحافي يضطر للكتابة فيما لا يحب، والأم تفقد أعصابها كثيرًا مع ضغط أعباء الأمومة التقليدية.

وتتوالى الأيام، وتصر الأم على التخلص من الكلب لكثرة ما يثيره من فوضى في المنزل مما يزيد من الضغط على الأم، ولكن الزوج يهون على زوجته ويساعدها ولا يتخلصان من الكلب وتمر تلك الصعاب بمرور الأيام، هي تقف بجانبه تارة وأخرى يقف هو بجانبها.

ويتحسن عمل الأب تدريجيًا، ويكبر الأبناء، ويستمر كيان الأسرة باقيًا ثابتًا ينمو رغم الصعاب، يمر بالمشكلات فيزداد صقلًا وتثبيتا، وهذا ما لا نجده كثيرًا في الأفلام الأمريكية الأخرى؛ قيم الاستمرار والعطاء والتضحية والعيش على الحلوة والمرة والمحافظة على الأسرة على أسس الحب والعطاء.

ويكبر الكلب ويمرض مرضًا شديدًا، وتتأثر الأسرة كثيرًا بذلك، ويضطرون فى نهاية الأمر إلى اللجوء للـ«قتل الرحيم» لتخليصه من الألم، وفي مشهد رائع ومُبْكٍ يأخذ الأب والأم والأولاد جثة الكلب ويدفنوها في حديقة المنزل.

وفي نظري لم يفسد المشهد سوى أداء JenniferAniston المبالغ فيه قليلًا والذي كان كذلك طوال الفيلم، في مقابل أداء Owen Wilson الذي كان هادئًا وصادقًا جدًا.

يجعلك الفيلم ترتبط بالكلب للدرجة التي تبكيك عند موته، وفي اعتقادي أن الفيلم الذي يبكيك هو فيلم جيد.

فلننظر لفيلم آخر من إخراج ديفيد فرانكل وهو Hope Springs حيث تعاني Meryl Streep بعد زواج دام طويلًا من انعدام العلاقة الجنسية مع زوجها، فهو مع تقادم زواجهما قد عزف عن الجنس بشكل كامل غير متبدل.

طوال الفيلم تحاول الزوجة استعادة العلاقة، فتحث الزوج على استشارتهما لخبير علاقات زوجية، ويرفض الزوج رفضًا قاطعًا، ولكنها عازمة على ذلك فتستمر في محاولاتها حتى يوافق الزوج على مضض ويسافران لذلك الخبير في ولاية أمريكية بالقرب من كندا، ويظهر تضرر الزوج في شكل كوميدي من بُعد المسافة ومن كم المصاريف التي سينفقها.

ويذهبان بالفعل للخبير، ويظهر بوضوح رفض الزوج القاطع للاستجابة لأسئلة الخبير وتوصياته، فهو يرفض أن يناقش تلك الأمور وأن يعترف بوجود خلل، لكن مع الوقت تنفك الأمور شيئًا فشيئًا، ويتسجيب الزوج ويستعيد الزوجان الكبيران في السن حياتهما الجنسية، ويصبحان أكثر سعادة وبهجة وأقل روتينية.

أين تجد الآن فيلمًا أمريكيًا يناقش إنقاذ علاقة زوجية والمحافظة عليها؟ هذا ما يُميز دايفيد فرانكل.. في هذا الفيلم تظهر قيمة الزواج باعتبارها قيمة راسخة وأن الاعتبار الأول هو إصلاحها والتلغب على المشكلات التي تواجها للإبقاء عليها، لإنها قيمة عظيمة.

فهنا لا توجد حالة الاستسهال والسيولة والتخلي عن بذل مجهود من أجل إبقاء العلاقة تحت هيمنة الحب، وهذا ما لم تعد عليه الأمور بعد الآن في الوعي الأمريكي، فالتخلي والتغيير أصبحا القرار الأول في حالة ما ستتسبب العلاقة في مشكلة أو قيد أو عبء، والمصلحة والكسب هما المطلبان الأوليان.

من الجدير بالذكر أن أداء Meryl Streep كان رائعًا جدًا في الفيلم، لقد ظهرت «امرأة» طبيعية بكامل الضعف وعدم الثقة وقرب الدموع والرقة وشيء من الخنوع لطيف، كان أداء عبقريًا. وفي رأيي المخرج الجيد هو الذي يبرز أفضل ما في الممثلين ويظهر جوانب وقدرات لم نكن نتوقع وجودها.

نأتي لفيلم آخر من أفلام المخرج وهو The big year وهو فيلم لطيف وطفولي وبريء، تحكي القصة عن مسابقة سنوية الهدف منها مشاهدة أكبر عدد من الطيور وOwen Wilson كان يجسد دور البطل العالمي في هذه المسابقة، لكن هذه السنة يدخل في منافسته منافسة شرسة اثنان آخران.

وتمر أحداث الفيلم بشكل ممتع وظريف يتسابق فيه المشاركون بعنف، ويكيدون لبعضهم البعض من أجل الفوز في إطار كوميدي.

وفي نهاية المطاف ينتصر Owen بتحقيق أكبر عدد مشاهدات للطيور، ولكنه في نفس الوقت يخسر زوجته، لأنه كان دائم الترحال، وكان يهجرها طوال الوقت من أجل شغفه لمتابعة الطيور.

وقد ظن أنها خانته لكنها كانت مخلصة له دومًا وقد حاولت مرارًا الحفاظ على زواجهما، لكن المحاولات آلت إلى الفشل. هنا تتكرر تيمة الشغف أو العمل مقابل الحياة العائلية، كما ظهرت في The devil wears prada.

آخر فيلم لدينا للمخرج الجميل هو من الأفلام المشهورة: Collateral Beauty، معظمنا شاهد الفيلم، وهو يعد فيلمًا فلسفيًا يدور حول القيم والأفكار أكثر من كونه يتعلق بالطبيعة البشرية.

ويتم طرح قيم مثل الحب والوقت والموت بشكل مباشر بدلًا عن استنباط المُشاهد لها، كما يُطرح مفهوم الألم والاعتراف به وعيشه والتعبير عنه عوضًا عن تجاهله ودفنه من أجل التعافي من الصدمات.

عادة أفضّل الأفلام التي تبين لنا الطبيعة الإنسانية وتدعنا نحن المشاهدين نستنبط ما تحت ذلك، بدلًا عن طرح المفاهيم بشكل فج، وهذا هو تحفظي على الفيلم.

وتتجلى قيم الأسرة في الفيلم في نهايته عندما يعود Will Smith لزوجته ويقفان بجانب بعضهما البعض لعيش الألم سويًا وتخطي صدمة فقدان ابنتهما بعد حالة الإنكار والغضب التي ظل يعيشها لفترة طويلة.

كما تتجلى في سعي Edward Norton لاستعادة العلاقة بابنته وإصلاحها، وهناك مشهد ينصحه فيه Will Smith بذلك، لقد فقد ابنته لكن صديقه لديه ابنه بإمكانه بناء علاقة معها وعيش حلوها ومرها بدلًا عن تجاهلها.

من الجيد في ظل تطور الأفلام الأمريكية نحو التخلي عن القيم والصلابة أن تجد أفلامًا مثل هذه، وكلما عدت بالزمن في الأفلام الأمريكية وجدت نوعًا من الصلابة باتت على وشك الانهيار، فالآن كل شئ مباح ولا شيء صلب.

مثل هذه الأفلام المميزة تولد حنينًا للماضي والقيم، وتصيدها شيؤ جيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد