مع تسارع نسق الحياة، يتسارع نسق تفكك الأسر، واندثار قداستها، ومفهومها؛ فحسب آخر الإحصاءات تتصدر تونس قائمة البلدان العربية في حالات الطلاق، بمعدل 12ألف حالة في السنة، حسب المعهد الوطني للإحصاء؛ مما يعني 33 حالة طلاق في اليوم، وتتراوح أسبابه بين الخيانة الزوجية، والعقم، والإشكاليات المادية.

إن ما تشهده أسرنا اليوم من تفكك و«تقاعد» عن مسؤوليتها، وما ينتج عنه من عوارض نفسية وسلوكية، سواء للشريكين أو للأطفال؛ يجعلنا نرجع للأسباب التي يبنى عليها الزواج في مجتمعنا العربي الإسلامي؛ بغية القيام بالنقد والمراجعة اللازمين.

لا تنعزل مسألة الرغبة في الارتباط عن سياقها الثقافي والمجتمعي والعاطفي؛ فثقافة الأسر الحاضنة للأجيال المتعاقبة تتأثر بالسائد في المجتمع، وتؤثر بدورها في نشر ما تتبناه تلقائيًا بعيدًا عن نقده أو تنقيح نصه.

وتظهر تجليات هذه الثقافة في الطريقة المعتمدة في تربية كل من الجنسين.

فالشاب ينشأ على مفهوم الرجولة؛ بما يترتب عليه أن يكون سيدًا محاطًا بالعناية النسوية، وضامنًا لاستمرارية نسل العائلة، ويا حبذا أن تكون الشريكة صاحبة جمال، ولم لا تكون صاحبة عمل؛ حتى تكون مصدرًا لفخر العائلة، وتساهم في زيادة المدخرات، وإدارة الشأن المالي للأسرة المستقبلية.

في مقابل هذه النشأة تهيأ الشابة على أن تكون ماهرة في شؤون المنزل، معتنية بمظهرها الخارجي، على أهمية أن يكون كل من الذكر والأنثى في أبهى الحلل وأجملها، ولكن ذلك يكون فقط حتى «إيجاد عريس الغفلة». ليس هذا فقط، بل إن الأسرة تخلق قناعة لدى هذه الفتاة أن مصيرها مرتبط بأن تكون «تحت ظل رجل»؛ لضعفها وحاجتها لمن يعتني بها.

ومع تشكل هذه القناعات تغدو مسألة الزواج معادلة إكمال نقص للمرأة ومضاعفة قوة للرجل.

ولو أضفنا إلى ما سلف ذكره باب الثقافة الجنسية فسنجد أن ما يرسخ في ذهن الأبناء، سواء جراء التساهل التام، أو التشدد المطلق فيما يحكم العلاقة بين الجنسين، أن العلاقة لا تتعدى أن تكون علاقة شهوانية. فإما أن ينظر الرجل إلى المرأة على أساس أنها وسيلة لإشباع غرائزه، أو أن ينظر إليها وفي نفسه شهوة لها. أما المرأة فلا تنظر إلى الرجل إلا وتكون بابًا للفتنة.

هذا لا يدعو إلى تجاوز الاحترام بين الطرفين في تعاملهما في شتى مجالات حياتهما العلمية والمهنية والمجتمعية، ولكن من المجانب للمنطق أن نرسخ في ذهن الجنسين أن العلاقة بينهما قائمة فقط على إشباع الغرائز؛ فتنزل بذلك مرتبة الإنسان إلى مرتبة البهيمة التي جل غايتها العيش والتكاثر.

إن الحرص على مثل هذه التنشئة المتداولة يخلق لدينا سلاسل بشرية نمطية لا تغدو أن تكون بدورها حلقة متكررة في عجلة الحياة الأسرية التي من دورها الارتقاء بالوعي الفردي وفتح نظرته على أفق أوسع للحياة، لا اجترار المتوارث من المعتقدات والأحكام. إن الأسرة عنصر هام من تشكل المجتمع وصياغة صورته، وبقدر اجتهادها في خلق شخصية متوازنة بقدر ما يتحقق جزء من الاستقرار الأسري؛ ذلك لأن الجزء المتبقى مرتبط بالتجربة الشخصية التي سيخوضها الشريكان.

ولو خرجنا من الأسرة إلى رحاب المجتمع ونظرته لأسباب الزواج وغاياتها، فسنجده داعمًا لما تبنته الأسرة النمطية، ولكنه في ذات الوقت يضفي لمسته الساحرة ليجعل من المسألة «قضية رأي عام». فالزواج هو استعراض للمزايا والامتيازات الحاصلة من وراء هذا المشروع.

لينظر إليه على أنه فرصة تسمح لأحد الطرفين بالانتقال من طبقة اجتماعية «بسيطة أو متوسطة»، إلى أخرى تعرف بـ «high socity» أو الحفاظ على المكانة الموجودة سابقًا؛ ليتم إرضاء غرور كامن في النفس.

أو ينظر إلى الزواج على أنه سيمنح للذكر أو الأنثى فرصة لا تكرر لملء رصيدهم البنكي، أو بعث «المشاريع التنموية»؛ وذلك بناء على عمل كل منهما أو ما تركه الوالدان والأقربون.

ولا ننسى بطبيعة الحال «ماراثون» الجلسات المنعقدة للبحث عن سبل تصريف مشروع الزواج، وما يلزمه؛ حتى لا «تباع الفتاة»، إلا بما يليق بها، ولا تكون أقل شأنًا من أقاربها؛ خوفًا مما ستتناوله الألسنة.

وعلى قدر ما ينفق طيلة فترة الخطوبة ويوم الزفاف تقاس السعادة والهناء. فيكون الزواج محل بيع وشراء ومحاولة لمجارات ما عاشه الآخرون لتغطية عقد نفسية عالقة لدى الكثيرين، محورها «ما سيقوله الناس عنا؟».

إن تحضيرات الزواج ويوم الزفاف ما هي إلا مسائل ثانوية لا تتعدى أن تكون فترة مقتطعة يمضيها العاشقان مع الناس لتقاسم الفرحة لا لاستعراض ما يرمى من أموال لتنظيم «أضخم حفل» فجمال العلاقة في بساطتها، وفي أن يعيش الشريكان كما يريدان حسب قناعتهما ومبادئهما، لا أن يكونا إمعتين لميول المجتمع.

وحتى لا نكون مجحفين فنظرة المجتمع لا تقتصر على الوضع الاقتصادي، فهناك فئة أخرى تبني قرار الارتباط  على فهم نمطي لما جاء في الكتاب والسنة، وتكون المسائل المادية «رجزًا من عمل الشيطان»، والأصل أن يجاهد الإنسان نفسه ليحظى بمرتبة الزاهدين. فيُتّخذ من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم القائل «تزوجوا فقراء يغنكم الله من فضله» قاعدة للحسم في هذا الأمر. ليحكم كل طرف على الآخر بأن تكون غاية الحياة الكبرى إيجاد لقمة العيش.

وبين المثال الأول والمثال الثاني وجب إيجاد الوسط، فلا الزواج عبارة عن صفقة رابحة، ولا هو عبارة عن حياة كدر؛ فالوضع المادي عبارة عن أن ينفق كل ذي سعة من سعته، ومن قُدِرعليه فباب الاجتهاد والبذل مفتوح.

ثم إن الحياة الزوجية لا تقتصر على أن يوفر الرجل المأكل والملبس، وأن تكون المرأة «ملكة في بيت زوجها»، إنما هي حياة أساسها التعاون والسعي المشترك في ظل من التناغم والتفاهم.

ولا نزال في القراءة الدينية التقليدية لمسألة الزواج لنجد أن «الفتاة الملتزمة» تقنع نفسها بأن حياتها تختصر في قول الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا صلت المرأة فرضها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها دخلت الجنة»، في حين إن الدين أرحب من أن يجعل الحياة منحصرة في الشعائر؛ إذ إن الإسلام دين حياة، ولكل من الذكر والأنثى الدور الهام في تطبيق تعاليمه بما ينفع الناس، ويحقق مبدأ الاستخلاف في الأرض. أما فيما يتعلق بمفهوم الطاعة، فالوعي السائد ينشر أن للرجل القول الفصل على زوجته وكلامه أمر. فتجد الزوجة في أحيان كثيرة تسير عكس قناعاتها، وتقتل في نفسها شخصيتها ورأيها، في حين إن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تعطينا المثال الحسن على طبيعة العلاقة، فقد كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ تناقشه أزواجه، ويتحاورن معه، ويكون لكل منهما رأيه، وقوله، ولا يمنعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك.

هذا بالنسبة للمبدأ العام الذي يسطر كنه الحياة لدى الكثيرات، أما فيما يتعلق بمعايير القبول، فعلى الفتاة القبول بـ«صاحب الدين» و«الخلق» الذي يتفق العارفون ممن خالطوه على التزامه بالفرائض والعمل بالسنن وغضه للبصر إلى ما حرم الله، وكل هذا من منطلق حديث نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». أما هذا الشاب «المحافظ» فهدفه «اظفر بذات الدين تربت يداك».

قد يطرح القارئ تساؤلًا: وما العيب في الأمر؟

أقول: إن الإشكال يقبع في الزاوية التي ينظر منها للنص، وما يبنى على أساسه من قرارات تعتمد على ما ظهر من الشعائر كمقياس للتدين والالتزام، لتحظي «فلسفة المظهر» بأولوية في إطلاق الحكم، فليس كل ملتزم بأداء الفرائض ملاكًا، ولا كل من تلتزم بـ«اللباس الشرعي» زوجة صالحة. كما هو الحال في من يتخذون من الجمال محددا للرغبة في الارتباط.

إن تعاليم ديننا هي قواعد تنظم الحياة وتضفي عليها عمقًا يجعل من معتنقيه بعيدين عن الأخذ بما ظهر من الأمر إلى ما هو اعمق منه مجالًا ونظرًا.

وبناء على ما ذكر، فإن المشترك في الفئتين أن التعاطي مع مسألة حساسة كبناء الأسر عبارة عن استجابة لسطحية المظهر لا عمق الجوهر.

ومع حديثنا عن المجتمع وأحكامه، فلا يسعنا أن ننسى إبداعاته في الأحكام القسرية الصادرة على من لم يتزوجوا بعد، بدلًا من القول على من تأخروا عن الزواج للإيمان بأنه لا وجود لعمر محدد في الزواج، فالمسألة مبنية على مدى النضج العقلي والنفسي والأهم إيجاد الشخص المناسب لتقاسم غمار الحياة معه.

شبح العنوسة الذي يطارد به المجتمع كلا من الشاب والشابة من شأنه أن يخلق لديهم عقدا نفسية تقنعهم بأنهم ضحايا، وأنهم في نظر الآخرين من «الفئة المهمشة»؛ لينتج عن ذلك ردود فعل عكسية لدى أغلب الشباب؛ ليكون القبول بأول العروض أمرًا مشروعًا لتجنب ذخيرة الأسئلة والتصنيفات المجتمعية المجحفة.

فيكون الزواج في هذه الحالة عبارة عن استجابة لضغوطات خارجية نابعة عن رغبة في إرضاء الناس والعمل بما هو مرسوم ومحدد من قبل سلطة المجتمع.

ولو مررنا وتركنا كلا من الأسرة والمجتمع لأخذ أنفاسهم وتوجهنا إلى محفز نفسي آخر من محفزات الإقدام على الزواج، وهو أن لكل شخص، ذكرًا أم أنثى، بصمته الخاصة التي يضيفها على ما سبق من معتقدات:

فهي تحلم بذلك اليوم الذي ترتدي فيه فستانها الأبيض الذي رسمت صورته في مخيلتها، تتخيل نفسها في أبهى حلل الجمال؛ لتزف للوسيم الذي عاشت معه في «أحلامها» فهي “لم تطلب من الله سوى أن يبعث لها رجلًا يحبها ويحميها، يهدي لها اسمه وتهدي له ذرية صالحة».

أما هو فيحلم بتلك الفتاة التي تُدخل على بيته الهدوء وتجعله رب أسرة. يمد بصره ليرى حياته مليئة بتجليات «رجولته». يبتسم ابتسامة رضا ويواصل «أحلامه”».

كثير هم من يضعون المعايير الهلامية، ويرسمون الملامح الكرتونية، ويرسمون صورًا مسلمة لمن يُترقب قدومه لمشاركتهم متعة الحياة ومتاعبها. هذا لا يعني أن لا تكون لدينا مبادئ تهذب ذوقنًا وترشد اختيارنا، ولكن العيش بمثل هذه الصور الخيالية يقلص فسحة التعامل مع الواقع بما يطرحه من خيارات، ثم إن محاولة عيش كل طرف مع الآخر بالطريقة التي وضعها في مخيلته تحرم من لذة العيش بتلقائية لسعي كل طرف بأن يصل لجعل تلك الصورة واقعًا، متناسيًا بذلك الاختلاف الطبيعي الذي يحكم طبائع البشر؛ لتكون أول مناسبة شاهدة على الاختلاف كفيلة بخلق الصدمة وزعزة العلاقة.

لماذا كل هذا النقد؟

ليس لتسجيل الأهداف بطبيعة الحال! ولكنه رغبة في إعادة النظر لبعض المعتقدات والمسلمات التي ابتذلت قيمة الأسرة في كونها ضمانًا لاستمرار البشرية في حين إنها عماد من أعمدة المجتمع المتوازن. هي حالة من السكون الذي تتخلله عواصف، ولكنها تجد سكينتها مجددًا بما بنيت عليه هذه الأسرة من وعي وحب واحترام.

هو دعوة لأن يستشعر الطرفان أن جمال العلاقة يكمن في تكاملهما في أن يكون كل منهما على سجيته متمتعًا بتلقائيته وجمال روحه في أن يشعر كل منهما أن الآخر مكمل له ودافع له نحو الأفضل. جمال العلاقة في ثراء وجهات النظر في تقاسم الأفكار ومناقشتها في احترام كل منهما لرأي الآخر في العمل معًا لنفع الآخرين ولنشر رسالة حُمِّلنا أمانتها.

إن الزواج هو لقاء لروحين متحابين بلا شروط يتقاسمان المشاعر بتنوعها وهو في نفس الوقت إلتقاء لعقول تتفاعل في الآراء والأفكار وتبني من خلاله وعيًا يعطي بعدًا جديدًا للحياة. هذا اللقاء المقدس هو رحلة خاصة بحياة كل زوجين عليها أن تُخاض بعيدًا عن قوالب المجتمع الجاهزة والنمطية. فلا المكانة المجتمعية من ستمنحها رونقها ولا البعد الديني التقليدي من سيهب لها بركتها. وإن اعتبر الارتباط في الوعي الجمعي غاية فهو في منطق العاقلين وسيلة وانطلاقة جديدة لتقاسم الأهداف والسعي جماعة لا فرادى لغايات نبيلة تتسامى عن مجرد إشباع شهوات وتجنب عبارات الشفقة على من «فاتهم القطار».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد