«يا بني! اتخذ لنفسك زوجة وأنت شاب كي تنجب لك طفلًا، فإن أنجبته لك في شبابك أمكنك تربيته حتى يصير رجلًا». *رسالة من الحكيم آني لابنه خنسوحتب من العصر الفرعوني.

تقول السيدات الفاضلات إنه الحب، ويضفن لذلك القول إنه العطف والطيبة والربط بين روحين أكثر منه للجسدي، بينما يزيد على ذلك بعض الشبان بأنه شكل من أشكال ردم ثغرات الملل النفسي، أكثر من أن يكون علاقة مشابهة، في حين يضيفُ مجهولٌ أزلي لهذا الفعل على أنه مجرد حدث كوني موجود ولن يتوقف.

هكذا يتوالى النواح وتتراكم في سياق العلاقة الممتدة لعقدٍ من الزمن، فتارةً تكسب وأخرى تقضي على سكة حديد، فتشبه بذلك أحد أبطال قصة روسية، فإنها أشبه لما يمكن القول عنه بالترابط الشخصي لزوجين، ونضيف بأن الزواج يعبّر عن حالة الانتحار الحلو المذاق، ولربما عن عمق الشعور الذي تكسبه بمساعدة الوقت، وهذا ما يكون أقرب لمعاقبة النفس بطريقة عصرية، ومنها إلى نشوء خطر ترتكبه بحق نفسك طواعية، فتراه يتبدّل من زمن لآخر، فمن وسيلة للإنجاب، وزيادة النسل في القديم، إلى طقوس دينية وقيم منها، إلى بناء أسرة وبناء مجتمع.

إن الزواج يشعرك برهبته الأولى الخادعة، ومنها إلى الهبوط لدرجة أدنى دون إحساس منك بالشكل المباشر، والحقيقة ستبدو مضيئة في حين ماتت هذه الغريزة التي تعبر عن إرضاء لغايات جسدية والعودة بنا إلى الحالة البدائية.

ولعلّ الأساطير تعطي الإنسان الحق لإعادة ذاكرته وخلق مبرر لها فمثلًا، تجد الزواج في حضارة أوزيرس المصرية القديمة ضرورة للاستقامة في الحياة وإجبار الشاب والفتاة في سن البلوغ على بناء أسرة وعائلة ينسج مجتمع منها، وتبنى أمم.

وفي الحضارة الرومانية تجد قسوةً مضاعفة؛ ففيها يعاقب عليها العازب بالضرب والجلد في حال عدم الزواج، فهذا الفعل الذي إن أردت تأمله من أطرافه ستخوّل عقلك بأن يحل الجواب الوحيد لهذه المرحلة، بمعنى أن وجود الزواج فيها يكون لغرض تكميلي فقط، ويكون الربط الطبيعي المساعد على عملية بعث جديد للحياة.

ويمكن أن لا تفوت هذه الفرضية التي بأساسها تتجدد الحياة بشكلٍ دوري عن طريق موت شخص في مقابل ولادة أخرى، وما يبرهن هذا الموقف هو حتمًا الاستمرارية في خلق ما لا حصر له من الأزواج، ومنها لبعث أجساد بهذا التصور والذي يمر بتكوينات مختلفة ليصل للمرحلة التي يصبح بها شابًا ناضج أو فتاة ناضجة.

فهنا تخلق مشكلتان:

_ من ناحية الخوف من الشتات لعدم إنجاب البديل للتكاثر البشري.

_ والثاني هو عدم الفكاك من الفكرة نفسها، كالتكاثر فقط، والمُضي من حال إلى آخر، وهنا نرى التحول الذي يضعنا أمام إشارة واضحة إلى أن الإنجاب وزيادة النسل مرهونة بالتضحية الحلوة المذاق، وأن العلاقة التي بدأت بها بأن الزواج مرحلة تشبه معركة لمواجهة الفناء تكون الأصدق وأكثر من أن تكون علاقة لعائلة مكررة.

وربما تكون بسيطة لحد ما، لكن قد تشير إلى نقطة غاية في العمق التي تشعر بها بالتشوش الفكري من عدم فهم هذه العلاقة المفروضة التي لم يحدد اختيارها أي كائن على وجه الأرض وتعويض الجسد بالجسد لسد الثغرة التي بأساسها نعيش الحياة الطبيعية ويكون الزواج وزيادة النسل هو الفاعل الأساسي القائم به.

ولم تغفل كل أديان العالم وفلسفاتها عن المؤسسة التي تقودها الأسرة ومدى فاعليتها التي أقدمت على كسب وتحليل كلٍّ لغايته وشدّة الصراع لكل طرف يكسب بها غايةً سلطوية أو غيرها،لتكون واقعة مستمرة ومفروضة أكثر من أنها اختيارية من إقامة علاقة أسرية من قبل الزوج أو الزوجة، على هذا الأساس تجد بأن حدث الزواج أمر حتمي سيُلقي بأصحابه بالشعور بالرهبة إن كانت لمجرد التفكير بزيادة النسل لملء المجهول، وهذا النسق ما يجعلنا نؤمن بأبدية الزواج، وما وصفته جميع الأديان من حق للوجود الشخصي وعدم الفناء، تجد أن الزواج فعل دخيل لمسيرة الإنسان وتجربة تطورت عبر القرون من فعل مُجبر كما عند الأساطير القديمة إلى حالة للاستقرار والبناء العائلي وحياة طمأنينة من مراحلها البدائية منذ آدم إلى تغيير شكلها ومضمونها وأساس فعلها اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد