قرر الشاب نفض غبار الوحدة عن حياته الفردية ليستظل بظلال الزوجية، ومن هنا تبدأ المعاناة! فحينما يقرر شاب في بلدنا الصغير اليمن، وفي عالمنا العربي الكبير على أن يُطعم حياته بطعم الزواج، لتصبح له روح أخرى تسمو معه، وقلب يبادله الحب والود والحنان، ونفس تقاسمه حلو الحياة ومُرها، يجد نفسه أمام تحدٍ مُرهق، ومعاناة مستمرة كي يصبح زوجًا لمن يختارها شريكة لحياته! و قضية المعاناة هي المال.

يكون المقبل على الزواج هنا أمام مشروع يلزمه أن يجمع رأس المال اللازم له، حتى يفي بالتزاماته، ويأخذ فترة زمنية قد تصل في بلادنا اليمن من مليون إلى مليون ونصف ريال على أقل تقدير. فمتى يقرر أحدهم الزواج، يلزمه أن يُقدم مئات الآلاف من الريالات كمهر لمن يريد أن يتزوجها حتى تشتري بها  ذهبًا وملابس، هذا غير ما يتم دفعه لأجل الحفلات الصاخبة وهو ما يستلزم مئات الآلاف أيضًا. وكل هذا جهد ليس باليسير، ويأخذ وقتاً من سنة ونصف إلى سنتين في المتوسط حتى يكون الشاب قادرًا على جمع هذه المبالغ، ليتم بها إجراءات الزواج على أكمل وجه كما تحتمه العادات والأعراف، وينال رضا المجتمع، وهو في العادة رضا لا يخلو من انتقاد، وسخرية في بعض الحالات!

فإذا أخذنا نظرة سريعة على تكاليف الزواج في بعض البلدان العربية، فهي مبالغ طائلة، تُصيب العقل بالحيرة من مغزى كل هذا الإنفاق، وما من مغزى غير النفاق الاجتماعي، وحب التباهي، هذا إذا ما علمنا من أن بعض الأُسر تلجأ للقروض لتغطية هذه التكاليف. فمثلاً في بلد كالسعودية تصل فيه تكاليف الزواج في المتوسط إلى 250 ألف ريال، وفي الإمارات تُقدر بـ250 ألف درهم، أما في الكويت فتقدر بمبلغ 35 ألف دينار، وفي لبنان تصل إلى 10 ألف دولار على أقل تقدير، وفي مصر تقترب من 20 ألف جنيه، كل هذه مبالغ ليست بالهينة تُصرف في هذا النفاق الاجتماعي لينال العروسان وأهاليهم رضا المدعوين! هذه الأرقام من موقع ميدان على الإنترنت.

في عالمنا العربي، أصبحت طقوس الزواج ومراسيمه جزءًا مهمًا في عملية إتمامه، وما يزيد الطين بلة، هو أن هذه المراسيم لا تقتصر على البسيط واليسير منها، بل يسعى الزوجان وأهاليهم إلى إظهار هذه المراسيم بشكل يليق بزواجهم أمام الناس والحاضرين. فما يجب أن يكون عليه انطباع الناس حول هذا الزواج هو أمر مهم جدًا في نظر الزوجين وأُسرهم!

هذا حال العائلات متوسطة الدخل، أما من هي من ذات الطبقات الغنية فحدث ولاحرج. ما تنفقه من أموال لإقامة مراسيم العرس شيء يصيب العقل بالذهول، ويشيب لها رأس الولدان. ملايين الريالات يتم نثرها هنا وهناك، وأحيانًا في شراء كميات كبيرة من الألعاب النارية، وفي بعض الحالات تُضاف الطلقات النارية، فيتحول الوسط إلى ما يشبه ساحة حرب لا تخلو في بعض حالاتها من إحداث أضرار سواء من سوء استخدام هذه المفرقعات، أو من الطلقات التي قد ترتد فتقع على رأس أحد الناس من الذين ليس لهم ناقة ولا جمل في هذا العرس!

يكون الشاب وعروسه هنا في خضم مسرحية هم أبطالها، يتحتم عليهم أن يقوموا بأدوارهم بكل إتقان حتى ينالوا تصفيق الجماهير وإعجابهم!

فكما قال الأديب المرحوم أحمد خالد توفيق: «إن الزواج هو التضحية بشخصين من أجل إسعاد شعب لمدة ساعتين في قاعة أفراح »! وتنفق في هذه الساعتين مبالغ ليست هينة، ربما تكون نواة لمشروع تجاري ينتفع منه الزوجان الجديدان في حياتهم المقبلة والمشتركة.

في مجتمعاتنا يُصبح الزواج ومراسيمه كأنك مقبل على مشروع تجاري، حتى تنجزه، عليك أن تجمع مبلغًا من المال، كي تكون مؤهلاً لذلك. أما أن يكون هناك قلبان متحابان، ومصدر دخل لتأمين متطلبات الحياة الزوجية لا يفي بالغرض لتصبح زوجاً! بل عليك أن تقوم بكل تلك المراسيم المُرهقة، والتي تحتاج سنين من عمرك لجمع تكاليفها!

حتى وإن قرر طرفا الزواج أن يتنازلا عن كل هذه الإجراءات المزيفة، ومظاهر النفاق الاجتماعي التي ترافق هذه الإجراءات، ليحظيا بزواج بسيط في إجراءاته، وقليل في تكاليفه، فقررا أن يقيما عرسًا بسيطًا في بيت أحدهما، يملؤه جو من الفرح، واقتصرا على قائمة مدعوين صغيرة، ترسل لهم الدعوات عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، ويكون الطعام أحد المشروبات، وقطع من الكيك، واكتفوا بالجوال لالتقاط الصور لهما، وتخصيص الأموال التي ستنفق في كل هذه المظاهر الزائفة –إن وجدت– في إنشاء مشروع تجاري يقيهم تقلبات الدهر، ويؤَمّن لهم متطلبات حياتهم الزوجية، فلربما يأتي الاعتراض هنا من أهاليهم، بحجة أن هذا غير مناسب، وماذا ستقول ألسنة الناس عن هذا الزواج؟!

أما أن يظل المقبل على الزواج يكابد عشرات الأشهر ليوفر تكاليف انعقاده، حتى وإن كان دخله بالكاد يفي أساسيات الحياة؛ فلا عيب إطلاقاً في هذا!

تخيلوا، كل هذا يحدث في زمن اتسم فيه العالم بالبساطة، والتيسير في أمور الحياة. في عصر تدّعي فيه هذه البلدان التحضر، وما تدرك أنها تعيش بفكر الجاهلية والعصور السحيقة، وهو فكر تقديس التقاليد والأعراف، حتى وإن تعارضت مع مصالح الإنسان، وفي هذا تخلفو وليس تقدم وتحضر ضاربين بمبدأ «يسروا ولا تعسروا» عرض الحائط.

أخيرًا إن هذه المظاهر الفارغة، تُفرغ الزواج من مضمونه، فإذا كانت بدايته هي تقديس المظاهر، وحيازة رضا الناس، فربما يستمر مشواره بحب المظاهر، وإرضاء الناس، وليس بالبساطة والمرونة، ورضا الزوجين أنفسهما بعضهما بعضًا. و إن الاستهلاك، والود المزيف، والنفاق الاجتماعي تُظهر حفلات الزواج وتكاليفها كإحدى ركائز عرقلته في العالم العربي. وفي نهاية الأمر إن الزواج ينعقد ويصير الطرفان زوجًا، سواء أُنفق عليه عشرات الآلاف أو مئات الآلاف أو حتى الملايين، فهذه عقولكم ضعوها أينما شئتم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد