المجتمع المريض هو ذلك المجتمع الذي تسود فيه مجموعة من الأخلاقيات السلبية التي تؤدي إلى تفتيت الترابط المجتمعي حتى يصير كل فرد في المجتمع مجتمعا في ذاته، منغلقا على نفسه، لا يرى سوى منفعته ولو على حساب الآخرين، لا يجد لنفسه مكانة إلا إذا امتلك، ولا يُعترف له بفضل إلا إذا أثبت قوته للآخرين، فيصير التنافس بين أفراد المجتمع لهاثا متواصلا يشغل الناس حتى يصيروا في تسابق لا نهاية له.

وفي هذا السباق تكون كل الوسائل مشروعة كي يحقق الفرد قوته، ويثبت مكانته. وفي مثل هذا المجتمع تصير المظهرية أهم من الجوهرية لأنها أقصر الطرق لإثبات النجاح والقوة، فيكفي المرءَ سيارة فارهة أو ملابس لها ماركة خاصة أو مظهرٌ معينٌ مميز لكي يعلن المرء انتصاره ونجاحه وقوته، ثم ينعكس هذا الأمر على قيم الناس وحياتهم لتصير حياة شكلية مصطنعة خالية من الروح والقيمة.

فإذا ما أخذنا الزواج وكيفية نظر المجتمع له كمثال، يمكننا من خلاله تشريح المجتمع للوقوف على مدى تغلل القيم المادية فيه وسيطرتها عليه، فكيف يتعامل مجتمعنا مع الزواج؟

يبدأ الأمر بالنسبة للفتاة مبكرًا، حيث تبدأ الأم الشرهة في شراء متطلبات الزواج منذ طفولة الفتاة، وتخزينها في صناديق محكمة حتى يأتي اليوم الموعود، ثم تجد الفتاةُ الجميعَ يضحكون (بسماجة) معها حول الزواج والعريس المنتظر، فتجد السؤال المعتاد: ما رأيك لو تزوجت حمادة ابني؟ (الذي لم يتجاوز العاشرة بعد)، ثم التعليقات السخيفة (كبرت وبقيت عروسة)، (كلها كام سنة وتخشي علينا والعريس في إيدك).

ثم تبدأ مرحلة شراء ما لذ وطاب من (اللانجري ومستلزماته)، وتعليقات الأم المستمرة المتعلقة بالزواج من قبيل (تعالي قفي معايا في المطبخ علشان تلاقي عريس)، و(بذمتك في حد يعمل القهوة صايصة كده إنت مش عاوزة تتجوزي ولا إيه؟)، ثم تكبر الفتاة فتقرر أن ترتدي الحجاب فتجد من يعترض عليها (يا بنتي خلي الحجاب لما ربنا يرزقك بعريس الأول)، أو لا ترتدي الحجاب فتجد من ينصحها (يا بنتي اتحجبي علشان تلاقي واحد ابن حلال، ده الرجالة بيحبوا اللي تعرف ربنا).

وفي الجامعة تتأكد الأم كل يوم من قدرة ابنتها على اصطياد عريس، ثم مرحلة العمل حيث السؤال الدائم عن زملاء العمل ومدى توافر الفرص المتاحة للزواج، وإذا تأخر الأمر أكثر من ذلك تبدأ مرحلة القلق والتوتر، وربما الفزع والجنون، حيث الجميع يبحث للمسكينة على العريس (أي عريس والسلام مهما كانت صفاته).

وحيث يبدأ الجميع في تسميم بدن المسكينة بكلامهم (مش تتجدعني بقى وتجيبيلك عريس)، أو (يا عيني يا بنتي ربنا يرزقك بقى بعريس) أو (صلي وادعي يا بنتي علشان ربنا يرزقك بعريس)، ومهما حققت الفتاة من نجاحات تظل في عيونهم مسكينة يحملون همّها ويتعذبون لرؤيتها، ولا يعترفون أبدا بأي نجاحات تحققها في حياتها، فهي ناقصة دوما ولا تكتمل إلا برجل (أي رجل ولو كانت رجولته مجرد شارب في وجهه).

أما الشاب فربما لا يشعر أحد بحاجته للزواج، ولذلك فإنهم دائما ما يوبخونه عندما يأتي على ذكر الزواج (ياض ده أنت لسه بتاخد المصروف)، أو (يا ابني مش لما تلاقي شغل أصلا وتبقى راجل وتقدر تفتح بيت)، أو (يا ابني مستعجل ليه ده الجواز كله قرف مش زي ما أنت فاكر)، ولا أحد يراعي ما يشعر به الشاب من ضغوط، أولا جنسية تشتت انتباهه وتقتل قدرته على العمل والإنتاج، ثم ضغوط نفسية حيث حاجته لشريك في حياته يشاركه العمل والكفاح والأسرار والحياة وحاجته للاستقلال بعيدا عن تحكمات الأسرة.

فإذا ما حدث المراد واجتمع الشاب والفتاة، فما داما بعيدًا عن عيون الأسرة فهم يستمتعون بالحب والشراكة العاطفية بينهما، وإن ظل ذلك غير كافٍ لهما، فإذا ما انتقل الأمر للعلن أمام الأسرتين تبدأ مرحلة التنافس والتصارع من أجل إثبات النجاح والقوة أمام المجتمع حيث المغالاة في متطلبات الزواج، والرغبة في أن يبدأ الزوجان حياتهما بكامل التجهيزات، ويكون ذلك في الظاهر من أجل راحة الأبناء، ولكنه في الحقيقة رغبة في التظاهر والتعبير عن القوة والنجاح الزائف. ولك أن تتبع المظاهر الآتية لتعلم الحقيقة :

– أن تدور أم العروسة على المدعوين في الزفاف بالشبكة حتى يراها الجميع، فيعلموا قيمة البنت المرتفعة وقدرة العريس المادية التي تدل على قوته وقوة عائلته وبالتالي قوة عائلة الفتاة.

– الحرص على كتابة (قايمة) المنقولات والتي في ظاهرها حماية حقوق الفتاة، وفي باطنها ضرورة كتابتها بآلاف الجنيهات رغبة في إثبات القيمة والقوة.

– تكاليف الزفاف المبالغ فيها والإنفاق فيما لا يستحق، فآلاف عديدة لفستان الفرح، وأخرى لتأجير قاعة الزفاف، وأخرى لمن يحيي الفرح من المطربين والراقصات، وعلى قدر ما تنفق على قدر ما تثبت مكانتك في هذا المجتمع الذي لا يعترف سوى بالقوة المادية الشكلية.

– أن يتقدم شاب لفتاة فيكون أول ما يسأل عنه عملها وراتبها ومدى استعدادها للمشاركة في الإنفاق بعد الزواج.

– أن يتم الحكم على الشاب المتقدم وفق قدراته المادية بغض النظر عن صفاته الأخرى، وبغض النظر عن مدى رغبة الفتاة في الزواج به.

– أن يقال للفتاة تزوجي بأي رجل مهما كانت اعتراضاتك عليه، فالمهم أن تتخلصي من لقب العانس ولو على حساب سعادتك في بقية حياتك.

ثم بعد الزواج تبدأ مرحلة الصدمة، حيث يكتشف الرجل أن الزواج مسئولية وتوافق بين نفسين قررا الحياة معا إلى أبعد ما يكون، ولأنه في الغالب لم يتحمل مسئولية الاستعداد للزواج ولم يشعر بالتعب فيما بناه، فإنه يكون أكثر استعدادا لهدم كل شيء خاصة بعد إشباع رغبته الجنسية وتفريغها.

أما الفتاة فتنتهي بهجة فستان الفرح ومرحلة الكلمات الرومانسية المدغدغة للعواطف، لتبدأ مرحلة من الكبت والتجاهل، وتفاجأ أنها أمام شخص لم تقم بدراسته بالشكل الكافي حيث كان الأهم الاستعداد للزواج لا دراسة الزوج، فتصطدم بحياة كئيبة ما كانت تبغيها.

ولا يبقى أمام الطرفين سوى الطلاق أو في الغالب الأعم إكمال الحياة الفاشلة والبقاء في نفقها المظلم مدى الدهر لأسباب عدة؛ كالمحافظة على الأبناء، أو لعدم القدرة على تحمل نفقات الطلاق، أو حتى لا يخسر الرجل كل ما أنفقه من قبل، أو حتى لا تكتسب المرأة لقب مطلقة فتكون وصمة عار تطاردها في مجتمع يعتبر المطلقة قنبلة جنسية جاهزة للانفجار مع أول لمسة رجل عابر في الطريق، ويتم فتح الباب للخيانات الزوجية والنزوات العابرة.

إن مثل هذا المجتمع المريض لن يفرز إلا زواجًا مريضًا، ومثل هذه الزيجات المريضة لن تفرز إلا مجتمعًا مريضًا، ولن نستطيع الفكاك من هذه الدائرة الملعونة إلا بأن نخلص الزواج من كل الشوائب التي تعلقت به، فلا يكون دليلا على النجاح والقوة، ولا يصبح مهربا جنسيا للشاب، ولا مهربا من شبح العنوسة للفتاة، ولا يصبح الرجل المركز الذي يدور حوله كوكب المرأة حيث لا يتم الاعتراف بأي نجاح أو مكانة لها إلا بوجود رجل في حياتها.

ولعل الخطوة الأولى في ذلك تحطيم قيود الزواج المادية والتساهل في متطلبات الزواج حتى نعطي الفرصة للزوجين من الكفاح معا في بناء بيتهما بالعمل والصبر، حتى يشعرا بقيمة ما فعلاه معا، فيشعران بالتشارك الحقيقي مما يربط قلبيهما معا في رابطة أبدية لا تهزها النوات والعواصف الدنيوية.

تخلصوا من مادية هذا العالم تغنموا. تخلصوا من قيود العالم الذهبية، فالذهب ما هو إلا معدن يظهر في باطن الأرض وعيون الناس المنبهرة هي التي تكسبه قيمته، واجعلوا الزواج بناء لبشر لا فرصة للتفاخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد