في عام 1880 توفيت ملكة تايلاند غارقة في البحر بعد انقلاب قاربها قبل وصولها إلى القصر الملكي، ورغم تواجد الخدم معها إلا أنه لم يحاول أحد التدخل لإنقاذها لأنه كان يحرم لمس الملكة وكانت عقوبة ذلك الإعدام.

هذه هي إحدى صور معاملة الملكات قديمًا وحديثًا، ربما فيها الكثير من التشدد والمغالاة، إلا أن مضمونها يوحي بأن للمرأة رفيعة الشأن معاملة خاصة تليق برفعتها وسموها. كذلك الأمر بالنسبة لكل امرأة مهما كانت درجة ثقافتها أو حالتها المادية فهي تمثل قيمة كبيرة لدى أهلها مثل كنز نبني فوقه سورًا ضخمًا ونقف أمامه بالسلاح حتى لا يصيبها مكروه؛ ذلك لأن المرأة تمثل العرض وهو أسمى شيء في حياة الإنسان قبل النفس وبعد الدين، بالإضافة إلى أن المرأة كائن ضعيف بدنيًا، ولهذا يمنحها الرجل قدر من الحماية لتكمل ضعفها، ومن التدليل لتوافق رقتها.

وعندما يحين موعد انتقالها إلى بيت زوجها، فإن ولي أمرها يتحرى الدقة في اختيار زوجها ذلك الشخص الذي ستلقي بجسدها الضعيف بين ذراعيه وتنظر إن كان سيتلقفها كما يتلقف الأب ابنه أم سيفلتها أم سيبيعها لآخرين أم سيحارب الأرض لأجلها؟

فالزواج هنا يعني الأمل في استمرار تاج الملكة فوق رأس المرأة، ويعني أيضًا المودة والرحمة بين الزوجين، وعدم تحقيق المرأة لذلك يعني انكسارها وخسارتها، لذا نجد مراسم الزواج في الديانات المختلفة يشبه مراسم تنصيب ملك جديد في طقوسها وفخامتها. ومن أهم هذه المراسم رمزية الربط بين الزوجين برباط مقدس ومبارك من الرب ذاته للدلالة على عظم هذه المسألة، فمثالًا الهندوسية فيها يُربط الزوجان بطرف حبل، ويدور الزوج ووراءه الزوجة حول نار مقدسة، وعند السيخ يتسلم الزوج يوم الزفاف سيفًا يسمى كيربان للدلالة على قدرته على حماية زوجته، وفي المسيحية يعتبر الزوج هو جمع من الله بين، وبحسب العبارة الشهيرة في الكتاب المقدس «ما جمعه الله لا يفرقه إنسان». وقد اعتبر بولس الرسول اتحاد الزوجين مشابًها لاتحاد المسيح بالكنيسة.

ولكن ماذا لو كان الزوجان مختلفين في العقيدة، هل هل ستحفظ الوصايا التي أوصى بها الدين أصحابه بشأن العلاقة بين الزوجين؟ إجابتي عن هذا السؤال بالنفي، وحجتي في ذلك أن كلا الزوجين سيطمع في أن يكون الهلال بدرًا، أي أن تكون الأسرة على عقيدة واحدة، حتى ينشأ الأولاد في كنفها. لتوضيح ذلك دعنا نتذكر دور العقيدة في حياة الإنسان، العقيدة أو الدين يمثلان المقام الأول في حياة معظم أهل الديانات، فهي التي تمنح الإنسان منهجًا للاستقامة في الدنيا والنجاة في الآخرة، كما أنها توفر له الطمأنينة والراحة النفسية والقدرة على مواجهة أزمات الحياة المتلاحقة من خلال الكتاب المقدس والأنبياء أو الواعظين، وهي بذلك أيضًا تضع على طريق الإنسان القدوة الحسنة التي نجحت في تخطي الصعاب. والعقيدة هي الشيء الوحيد الذي يحول الأشواك إلى ورود مزهرة، فيجعل من الموت شهادة، ومن القتل بطولة، ومن المرض ابتلاء، ومن المصيبة خير قادم. وإذا قارنا هذه المكانة الكبرى للعقيدة بالزوجة بما توفره لزوجها أو العكس من حب واحتواء ومتعة، فإن كفة العقيدة هي التي تثقل وترجح.

لذا قد يحاول أحد الطرفين أو كلاهما أن يجذب الطرف الآخر إلى عقيدته، والأهم من ذلك يسعى إلى أن يكون الأبناء على نفس ديانته، وذلك إعمالًا بالوصايا المذكورة في الكتب المقدسة، ففي التلمود في كتاب النساء يحرم على الرجل أن يتزوج من أجل المتعة فقط دون الرغبة في الإنجاب إعمالًا بوصية الكتاب المقدس «أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض». وكذلك في المسيحية يعد أحد أهداف الزواج حفظ النوع البشري بالتناسل، وعلى التحديد نمو وازدياد أعضاء الكنيسة[1]. وفي الإسلام قال النبي: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة».

إذًا يقع الزواج تحت مظلة العقيدة، ويتشكل وفقًا لأوامرها ووصاياها، وفي حالة الزواج المختلط بديانات الأخرى فإن كلا الزوجين سيشعر بشيء من الغربة عن الآخر، وسيصير الأطفال محل نزاع بين عقيدتين، وكأنهم حدود تتنازع عليها دولتان.

وكل ما سبق كان على وجه العموم دون اختصاص دين عن آخر، ولكن ماذا عن المسلمين بشكل خاص؟ لماذا نغضب عند ذكر مسألة زواج المسلمة من غير المسلم؟ ولماذا تقوم في نفوسنا ثورة عند سماعنا حدوث ذلك في مكان ما؟

أولًا: المسلمة هي المرأة الوحيدة في العالم الملتزمة بعقيدة التوحيد، أي التي تنزه الله سبحانه عن أن يكون له زوجة أو ولد أو شريك، أو أن يتصف بصفات بشرية لا تليق بإله مثل الندم أو البكاء أو التزواج أو الجهل. وهي أيضًا وريثة نساء النبي وبناته في الدين والخلق. إنها نبت عطر من حديقة التوحيد، ولا يمكن أن نضعها في حديقة الكفر أو الشرك. لهذا أمر الله يوم فتح مكة المؤمنين بعدم التمسك بنسائهم الكافرات، وكذلك الأمر انطبق على المسلمات، فقال تعالى (لا تسمكوا بعصم الكوافر).

مع تنوية بسيط بأن مسألة تكفير أهل الديانات الأخرى لا تعني بالضرورة دعوة للعداء، ولكنها تعد مقياسًا لترسيم الحدود مع الآخر خاصة في مثل هذه الأمور الخطيرة. كما أنها ليست موجة سلفية حادثة على الإسلام، ولكنك تراها في نصوص دينية لعقائد أخرى، فاستوحى الرابي اليهودي مناحم من التلمود قوله: «أيها اليهود: إنكم من بني البشر، لأن أرواحكم مصدرها روح الله، وأما باقي الأمم فليست كذلك؛ لأن أرواحهم مصدرها الروح النجسة.[2]» وفي المسيحية في إنجيل يوحنا يُذكر أن: «الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله». وبالتالي، فإن المسألة لا تعني تطرفًا في أي جانب ما دامت لا تؤثر على الحياة الاجتماعية بين أهل الديانات المختلفة.

ثانيًا: لا يمكن للفتاة المسلمة التي نشأت في كنف التوحيد أن تكون وسيلة لإنتاج أطفال غير مسلمين، ويضيع مع الوقت اسمها ونسبها بينما يستمر النسب غير المسلم. يجيب شاب شيعي جعفري عن سؤال طُرح في منتدى شيعي وهو: هل تؤيد زواج الشيعي من سنية؟ أو السني من شيعية؟ فقال أنه أعجب بفتاة سنية وأراد الزواج منها، لكنها كانت تحمل أفكارًا سلفية، فاستشار العلماء فقالوا له لا بأس من الزواج بها، ولكن واجهته مشكلة كبرى (بحد وصفه) جعلته يصرف النظر عن الأمر، قال: «ولكنني فكرت، إذا لم أستطع أن أقنعها بالمذهب الجعفري فماذا سأفعل؟ هل سأعيش عمري مع فتاة سنية سلفية؟ ولو فرضنا أنني مت بعد فترة من زواجنا، فإن أولادي سيكونون من السلفية على مذهب أمهم. أُدرك صعوبة الموقف وأعرف أنه من الصعوبة أن تتشيع تلك الفتاة، لذلك اخترت عقيدتي وتركتها».

في الكلام السابق يبدو لنا ما ذكرناه سابقًا، وهو أن الحب ليس هو كل شيء في الزواج، ولكن معظمنا يفكر في العقيدة، كيف سيكون أبنائي من بعدي؟ هل ستتحول زوجتي إلى ديني أم لا؟ وإن كانت كل الإجابات سلبية فلن أتزوجها ولو كان بيننا حب كبير.

ثالثًا: وهي نقطة هامة وشائكة بعض الشيء، وهي أن الزوجة المسلمة لا تأمن على نفسها من خداع زوجها ووعوده بأن لن يحاول أن يؤثر عليها لتغيير عقيدتها. أتذكر تقريرًا تلفزيونيًا لبرنامج «الحقيقة» للإعلامي وائل الإبراشي عن البهائية وظهر  رجل يتحدث عن زوج ابنته البهائي الذي أدخل زوجته في البهائية، فقال أن ابنته تزوجت من شاب مسلم، وبعد ذلك أخذوا يدافعون عن البهائية عند ذكرها بدرجة تثير الشك، ليتضح أن ذلك الشاب الذي يخفي دينه قد جذب زوجته معه بأساليب خفية على الرغم من اعتراف البهائية بالإله الواحد الذي تنتمي إليه جميع الأديان، ولكنه عمل بالقاعدة التي تسري في دمائنا جميعًا نحن أهل الأديان «أثمروا وأكثروا».

وكما ذكرنا في النقطة السابقة السؤال المطروح في منتدى شيعي عن الزواج المختلط بين السنة والشيعة، أجاب أحد المشاركين قائلًا: «المعروف والسائد عندنا نحن الشيعة الإمامية هو جواز الزواج من الفتاة السنية ولا مانع من ذلك، أما زواج السني من الفتاة الشيعية فهو غير وارد ولا جائز عندنا؛ وذلك بسبب أن العصمة تكون بيد الزوج ويكون قوَّامًا عليها وهو يتحكم فيها. بالإضافة إلى أن للرجل تأثيرًا على الزوجة والكثير من الفتيات من أبناء السنة اعتنقوا التشيع بسبب أزواجهن، وأما العكس فهو غير وارد ولم نر رجل تشيع بسبب زوجته».

هكذا يكون أثر الزوج على الزوجة، وتلك هي النتيجة يدخل العديد من الفتيات السنة في التشيع بسبب أزواجهن، والجدير بالذكر أن الزواج المختلط بين السنة والشيعة ليس محل فصل بالجواز أو التحريم، اللهم إلا إن كان هناك خلل في عقيدة الشيعي مثل تعظيم أحد من الأئمة إلى حد الألوهية، أو الخوض في أعراض نساء النبي، أو تحريف شيء من القرآن، وهي أمور منتشرة بين العديد من الشيعة بشكل صريح أو في الخفاء.

رابعًا: سبب آخر يجعل من زواج المسلمة بغير المسلم ظلم لها وهو أنها قد ترتبت على الطهر الإسلامي. والطهر الإسلامي لا أقصد أنه ما يقابل النجاسة غير الإسلامية، ولكن هو الروح التي يشكلها المنهج الإسلام في بناء شخصية صالحة في عقيدتها وعباداتها ومعاملاتها، والمستوحاة من الكتاب والسُّنة. فمن الظلم مثلا أن تجمع قُبلة واحدة بين فم يتوضأ في اليوم خمسة عشر مرة وفم يشرب الخمر. وكذلك أن نأتي بجسد يسعى أن يكون طاهرًا طوال الوقت من أي آثار تخرج منه قد تفسد طهارته من أجل العبادة ونضعه بين ذراعي جسد يهتم بالعموم أن يبدو نظيفًا أو أنيقًا دون غاية، فقد تكون ثيابه الداخلية غير نظيفة ولا يهتم؛ لأن الناس لا يرون منها شيئًا. وقس على ذلك الفروق بين دعوة الإسلام لطهر الإنسان ودعوات الديانات الوضعية أو الإلحاد.

خامسًا: إن ذلك لا يجوز شرعًا بالإجماع، أي لا يجوز زواج المسلمة من غير المسلم أو من طائفة إسلامية تشذ عن طريق النبي. وقد آثرت أن تكون مسألة الشرع هي النقطة الأخيرة لتكون نتيجة لما قبلها والله أعلم؛ لأن الشرع لم يحلل شيئًا أو يحرمه لتضييق العيش على الناس.

وتبقى مسألة أخيرة نختتم بها حديثنا وهي سؤال: لماذا يحق للرجل المسلم أن يتزوج من مسيحية أو يهودية؟

الإسلام مثل أديان أخرى يسعى أن تنتشر دعوته بين الناس جميعًا، ولكن دعوته تأتي بشكل مباشر دون استخدام أي طريقة للخداع أو التضليل، فقال تعالى ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، وبالتالي فإن الزوج المسلم إن أراد لزوجته المسيحية أو اليهودية أن تدخل الإسلام فسوف يعرضه عليها كما أنُزل ولها حق الاختيار دون المساومة بالمال والعيش الرغيد.

وعن صلة الإسلام بالمسيحية واليهودية فقد خرجوا جميعًا من مشكاة واحدة كما قال النجاشي ملك الحبشة النصراني بعد سماعه سورة مريم من جعفر ابن أبي طالب، وبالتالي فإن إيمان الزوجة الكتابية بنبوة محمد ووحدانية الله لا يجرح إيمانها بدينها، بل إن السيدة مريم هي خير امرأة خلقها الله، وهي فوق زوجات النبي وبناته، والنبي موسى هو أكثر نبي ذكره القرآن في قصصه. وبالتالي يرفع الإسلام من معنويات أهل الكتاب عند سماع أخبار أنبيائهم وكتبهم في القرآن الذي يتلى في بيت المسلمين. والأبناء إن ظلوا مسلمين فلن يضر ذلك نسل المسيح أو موسى، فسيصبح على كل حال «زيتنا في دقيقنا».

[1] حبيب جرجس، أسرار الكنيسة السبعة ص 130

[2] محمد عبد الله الشرقاوي، الكنز المرصود في فضائح التلمود ص204

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد