حكى لي أحَدُ الأصدقاءِ من مصر أنه يومًا تقدم لخطبة صديقته، فقابله الوالد بكل ترحاب، وعندما عرض عليه الشاب الزواج من ابنته؛ استهل الوالد كلماته قائلًا: (احنا بنشتري راجل يابني)، فاطمئن الصديق واستراح في جلسته، وذهب الخجل من وجهه، بينما كان الوالد يكمل كلامه قائلًا: (أنا عارف يا بني إنك لسه متخرج وظروف الشباب في البداية صعبة)، فقطعت كلامه وهو يحكي ما حدث وقلت: (زي الفل يا بني وبعدين)، فضحك حتى كادت دموعه تزرف بالبكاء، وقال: (اتقل على رزقك) وأكمل ما قاله والد الفتاة (يا بني زي ما انت عارف إن أهم حاجة شقة تمليك علشان متتبهدلوش) (آه طبعًا ياعمي والدي مجهزلي شقة في البيت).

 (لا يا بني بنتي متتجوزش في بيت عيلة.. ودخلوا في تفاصيل التفاصيل.. احنا علينا التنجيد وحاجات المطبخ والنيش وزي ما انت عارف يا بني الراجل عليه العفش كله، وعلشان خاطر انت زي ابني الستاير عليا)! واشترط نوع الأجهزة الكهربائية وأحجامها، والشبكة ومقدارها، ويوم الزفاف والقاعة والفستان، وما بين كل جملة وأخرى يقول (احنا بنشتري راجل)!

وبعد طول نقاش وتمسك الرجل بكلامه، اختلف كل منهما ولم يتم الاتفاق.

جاء عبد الله بن حدرد الأسلمي إلى النبي لكي يعينه على مهره فقال له النبي: وكم فرضت؟ قال: مائتين، فغضب النبي وقال: كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو الجبل.

لماذا تجلس أمهاتنا الفُضليات تبكي لربها وتدعو أن يرزق الله ابنتها التي تقدم بها العمر، وهي ترى أنها افضل من ابنة خالتها وابنة عمتها وجارتها، وحينما يكرمهم الله برجل صالح ينزلون عليه بسيوفهم، ويضعون مواثيق لم توضع في الحرب العالمية الثانية!

لماذا نغالي في مهورنا ونطلب مسكنًا وسيارة وحُليًا كثيرة وزفاف الأميرة ديانا، ونظن أنه بذلك سيعرف قيمة ابنتنا ويحافظ عليها ويفكر ألف ألف مرة قبل أن يطلقها؟

لماذا تُكبّدون من يريد الزواج ببناتكم بتكاليف باهظة، وحينما يذهب ابنكم ليتقدم للزواج تتذكرون قول النبي أعظم النساء بركة أيسرهن صداقًا، وتتذكرون قول النبي التمس ولو خاتمًا من حديد؟ هل تحتالون على الله؟ أم أن شرف ابنتكم أعلى شأنًا من زوجة ابنكم!

لماذا تصعبون الحلال علينا حتى صار الحرام سهلًا في زمن استُبيح فيه كل شيء؟

لماذا تدعون أنكم تبحثون عن الشاب الورع الخلوق المتعلم، وعندما يأتي تطلبون كنز قارون، وتدعون بأن هذا هو العرف، وأن جميع الناس يفعلون ذلك، وأن ابنة خالتها تزوجت بكذا، وابنة عمتها اشترت حُليًا بكذا وكذا، ولو كان غاية مقصدكم الدين لما نسيتم قول النبي في اختيار الزوج “من ترضون دينه وخلقه” وفي اختيار الزوجة ”تُنكح المرأة لأربع: لجمالها وحسبها ونسبها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك“.

أعلَمُ جيدًا أنه من الدين والعرف ثمة توازن بين الحالة الاجتماعية للطرفين، لكنه ليس مبررًا بالمرة أن تطلب من شاب في مُقتبل عمره مال قارون، بينما أنت لن تأتي لابنك بمثلِ ما أمرت.

تذكري أمي – تذكر أبي..

حينما تضعون شروطكم هذه.. فلن يدوم حب، ولن تَعُمَّ مودةٌ، ولن يستقر بي، ولن ينمو مجتمع، ولن يهدأ حال، ولن تتكون أسرة، ولن يكون استقرار.. وسيذهب كل طرف إلى أهله، بعد أن فقد الحب والوفاء والثقة وكَثُرت المطالب؛ فزادت الديون، فنما العداء، وكثرت الخلافات، وطُلِقَت الزوجات، فتشرد الأولاد وتفككت المجتمعات.

فلن تعلو ابنتكم في نظرنا عندما ترهقوننا بالديون، ولن تقل حينما تيسرون، بل سيكون الوفاء والحب والطمأنينة والسكينة قال تعالى “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”.

وسيكون ذلك عاملًا على حِفظ النسل البشريّ، حيث إنَّ من ثمرات الزواج وفوائده العظيمة حُصول الذريّة من البنين والبنات الذينَ هُم قُرّةُ الأعين وزينةُ الحياة الدُنيا، وهم سببٌ في قوّة المُجتمع ورِفعته، فالمُجتمعات التي تتّصف بضعف الوجود البشريّ هيَ بلا شكّ ذات قُدُرات إنتاجيّة محدودة. ومن أهم الآثار الطيبة في عدم المغالاة بالمهور تحصين الزوج والزوجة من الوقوع في الفاحشة؛ لأنَّ في الزواج تلبيةً للحاجة التي وضعها الله تعالى في كلٍ من الرجل والمرأة تِجاهَ الآخر ضِمن إطارٍ شرعيّ يحفظ الأعراض ويصونُ الكرامات، فلا تُمتهنُ المرأة ولا الرجل، بل يتشرّف كُلّ منهما في ظلّ إطار الزواج الطاهر العفيف. وسيؤدي ذلك إلى تحقيق التعاون المُشترك بين الزوجين، بحيث يتقاسم كُلّ منهُما دورهُ في هذهِ الحياة، فالرجل يسعى إلى تأمين شؤون الأسرة الخارجيّة من خِلال العمل الذي يقوم به، ويوفّر كذلك الحماية والرعاية لها كما أنَّ الزوجة تقوم بدورها الداخليّ بصفتها مُدبّرة المنزل بحيث تعتني بشؤون بيتها وشؤون زوجها وأبنائها لتُخرِج للمُجتمع أجيالًا قويّة وفاعلة. وأيضًا حُصول البركة والزيادة في الرزق، فالزواج يأتي بالبركة على الزوجين وعلى البيت بأكمله، كما بيّن ربّنا جلّ جلاله ذلكَ في قوله: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم)، ومعنى الآية الكريمة أنَّ حُصول الزواج حُصولٌ للبركة والرزق ونفيٌ للفقر بإذنهِ تعالى ومن أكبر الدلائل على ذلك ان أغلب الشباب حينما يُقدِم على الزواج تكون حالته متعسرة بعض الشيء، لكن بعد ذلك يوسع الله عليه ويرزقه من حيث لا يحتسب، قال النبي صلى الله عليه وسلم ”ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: ………،………..، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ“.

-للعلم فقط.. صديقي الآن متزوج من ألمانية، وناقش رسالة الماجستير، ويُقسم لي أن كل هذا لم يُكلف ثمن ما كان يطلبه منه والد محبوبته السابقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد