تنتابنا حالة من الغرابة والاستغراب، كلما توقفنا عند إحصائية تفيد نسب الطلاق المرتفعة في مجتمعاتنا المحلية والإقليمية، إذ تعد مؤشرات الطلاق في هذه المنطقة من الأكثر ارتفاعًا في العالم كله، إذ ارتفعت نسب الطلاق في العقود الأخيرة الماضية ارتفاعًا يفوق الخيال، مقارنة بسنوات التسعينيات من القرن الماضي، فنتحسر ونتوقف لحظة تأمل كلما صادفتنا هذه النوعية من الأخبار والإحصائيات المتعلقة بهذه الآفة الاجتماعية القاتلة، والتي ينظر إليها البعض على أنها صنع غربي بامتياز، لتطيح هذه المجتمعات المحافظة أرضًا، وتمنعها من التكاثر الذي يحدد لها استمرارية البقاء والاستدامة، ويصبح الوضع متأزمًا ومتطرفًا إذا نتج من هذه العلاقة، أطفال، وبالتالي يصبح الأمر أكثر تعقيدًا وصعوبة.

إن الزواج في مجتمعاتنا المحلية من أكثر البنى تعقيدًا وتشابكًا، إذ إن مشروع الزواج في غالبية الأحيان لا يتمتع بالخصوصية بين الأشخاص الذين يريدون الارتباط وفقط، بل نجد أن طبيعة الأفراد والعلاقات الأسرية، والعرف الاجتماعي، من المحددات الرئيسية لشكل الزواج، وبالتالي يغلب عليه الطابع التقليدي، ويصبح مستهلكًا لا يدخل في حيزه أي تجديد واحترام للراهنية والحالية على الإطلاق. إذ يصبح الزواج مناسبًا للمجتمع أكثر مما يتكيف ويناسب أصحاب العلاقة، والذين يحاولون بشكل من الأشكال الهروب من الإملاءات المحيطة بهم، كي يتفادوا الوقوع في شرك الخروج من العادات والعرف، وما يصدره المجتمع وحراسه، وبالتالي يسارعون في الزواج بهذه الطريقة الكلاسكية التي ما ما زال البعض يعاني من نتائجها العكسية على العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة.

إن للمجتمع نصيبًا أكبر من هذا العجز في إنجاح العلاقة الزوجية، وعندما نتحدث عن المجتمع، فإننا نذكر كل التركيبة التي تشكله من (دين، وثقافة، وعرف، وسياسة.. إلخ)، فالزاوج في هذه المجتمعات حالة مرتبطة بالآخر، ومشاركة الآخر لك في بناء قراراتك، والتجهيز لحياتك، ضرورة يجب عليك احترامها وتبجيلها، إذ إن الانصياع والخضوع، يكسبك تشريفات المجتمع والتي غالبًا ما تكون ضد قناعاتك وسلوكياتك، ومشاربك في الحياة التي لطالما أردت أن تعيشها، وتفننت في رسمها.

إن المشكلات بين المتزوجين في نظري، ما هي إلا نتيجة منتظرة في غالب الأحيان، إذ إن عقد الزواج لم يبن برضا الطرفين فقط، بل تشارك من أجله الكثير من المتعاقدين، والذين مضوا ضمنيًّا على نجاحه واستمراره، وبالتالي قد ساهموا في ارتكاب جريمة بحق الزوجين، وهذا لمنعهم من امتلاك الحرية في تقرير المصير، وتحديد الأولويات والأهداف التشاركية، وبالتالي يصبح إنجاح العلاقة الزوجية أمرًا حتميًّ وضروريًّا بالنسبة للزوجين، من منطلق مرضاة الآخر، فأي هفوة في العلاقة، قد تسبب مشكلات بين العائلات، فيجب التكتم والخرس في أمرها، لذلك نجد أن الأزواج يمتنعون عن الحوار في مشكلات الزوجية، خشية تضرر هذه العلاقة بين الأطرف المباركين لهذا الزواج، وبالتالي تصل العلاقة إلى طريق مسدود، ينتج منها في الأخير طلاق بشكله المعتاد والغني عن التعريف.

لكل علاقة ناجحة في الحياة، ضريبة، لا بد أن يدفع المرء ثمنها، وضريبة الاستمرار في العلاقة الزوجية في متجمعاتنا محدودة الثقافة، والمملوءة بالرجعية، هو الطلاق. إن الزواج لا يعني قط علاقة جسدية بين شخصين، وإن كان الجنس ضروريًّا في بعث الحياة لهذه العلاقة، ولكن التقاء الروح، وتطايب الأنفس أمر نحتاجه، ليعيد الخصوصية إلى ذواتنا، فالمرء البالغ لا يحتاج إلى إرشادات في كيفية تسطير حياته وبنائها، بل كل ما يحتاجه هو مساحة تقبل وحرية، يستطيع التنقل في أرجائها بكل ارتياحية، فالزواج بطابعه الكلاسيكي يميت أرواح المتزوجين البريئة المرحة، ويمحو أجسادهم الطيبة العفيفة، ويترك فيهم أثرًا يصعب نسيانه، ومن هنا اشتدت نسب الانفصال، ومردها عدم احترام خصوصية الإنسان في اختيار ما يناسبه وما يتلاءم مع متطلعاته الفكرية، والروحية، والمادية.

الزواج ضرورة لمن أراد أن يحترم عقده، وأن يبتعد عما يمليه عليه محيطه، فإن هوّ أصاب في ذلك فقد نجح، وإن خاب وضعف، فليستعد لأن تُزهق روحه وأن يموت جسده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد