تفضل موقعكم الموقر بنشر عدة مقالات عن موضوع التعدد وكيف ترفضه بعض الكاتبات جملة وتفصيلا. وهن بلا شك بنات مجتمع متباين في الرؤى والأفكار حتى انقسم على نفسه بين فريقين الفريق الأول وهو فريق النساء وكثير من الرجال الذي يجزم بالتحريم. والفريق الثاني والذي يضم قلة منبوذة من الرجال ويجزم بالوجوب. ولكل فريق أدلته وبراهينه الحسابية القاصرة والتي تتجاوز عن حاجات الإنسان وظروفه وبيئاته وعاداته في كل زمان ومكان . هذا المقال لا يروج للتعدد ولا يتبنى موقفا مسبقا هو محاولة للوقوف بحيادية بين الفريقين ومحاولة لاستباط رأي محايد يحتكم إلى قواعد العدل والقسط.

وفي البداية لابد أن نوضح أن نقطة هامة الزواج عموما ليس مباحا على المطلق فحكمه يتغير من شخص لآخر حسب اختلاف حال الشخص وقُدرته الجسميَّة والماليَّة واستعداده لتحمُّل مسؤوليَّته، وقد ذكَر العلماء «أنَّ الحُكم الشرعي للنِّكاح على خمسة أقسام: فتارةً يكون واجبًا، وتارةً يكونُ مستحبًّا، وتارةً يكون حَرامًا، وتارةً يكون مكروهًا، وتارةً يكون مُباحًا وكذلك التعدد فلكل حالة ظروفها وملابساتها ولكل حكمه وفتواه».

القائمة الإجبارية

كثير منا يتعامل مع أحكام الشرع على أنها قائمة طعام تقدم له في مطعم مكيف في فندق خمس نجوم فنختار منها ما يروق لنا وما على مزاجنا ونشعر بالقرف تجاه أصناف أخرى مما يأكله الناس الآخرون. أحكام الشرع لكل البشر لكل الناس في كل زمان ومكان وتحت ظروف الحياة المختلفة الصافية والباردة والحارة والممطرة وفي البلاد المتقدمة والنامية والمتأخرة كل حسب ظروفهم وأعرافهم واحتياجاتهم.

«ماينفعش»!

ومثل من ترفض التعدد كمثل من تذهب لطبيب وتطلب منه أن يقدم لها قائمة بأساليب الفحص السريري المختلفة فتختار منها ما يناسبها فقط وما تحبه فقط، فتختار الكشف بالسماعة وترفض عمل التحاليل الطبية والأشعة التليفزيونية. ثم تطلب من الطبيب أن يكتب لها الدواء في صورة واحدة. فهي تكره الحقن والشراب والأقراص وتريد الدواء كريم شانتيه. فهل هذا مقبول؟ أنت يا أستاذة لا يمكنك أن تجادلي الطبيب في أسلوبه أو طريقته أو روشتتة (وصفته) لأنه طبيب ويعلم حالتك المرضية. فكيف يمكن أن نقبل التهكم والإنكار والاستغراب مما وصفه الله لنا وهو خالقنا وعالم بحالنا وأبسط حقوقه علينا أن نحترم شريعته ونلتزم بقوانينه.

والقوانين ملزمة والتشريع كذلك

وحتى القوانين المنظمة لحياتنا مثل قوانين المرور نحن مجبرين على الالتزام بها حفاظا على حياتنا وحياة الآخرين بغض النظر عن حبنا أو تقبلنا النفسي أو ميلنا العاطفي. وحتى السؤال هنا لا يصح هل توافق على الالتزام بإشارات المرور لا يا أستاذ أنت ملزم ومجبر على هذا، وإذا كنت توافق أو لا توافق فيجب عليك الالتزام بها والوقوف على قواعدها. إما إذا لم تلتزم بها فحتما سيصفك الناس بالمجنون الذي يتسبب في وقوع المصائب والكوارث لنفسه وللآخرين.

الدواء موجود لمن يحتاجه

دواء السيدوفاج من أشهر العلاجات التي يستخدمها مرضى السكر ويصفه الأطباء لهم لأنهم يحتاجون إليه. فهو يعالج حالتهم المرضية. فهل يقبل من شخص سليم أن يطالب بسحب العقار من الصيدليات لأنه لا يحتاجه أو لأنه يعتقد أنه لا يفيده؟ لا يا أستاذ الدواء في الصيدلية لمن يحتاج ولست معنيًا بالأمر ولا يلزمك أحد أن تتجرعه يوميًا فلا تقحم نفسك فيما لا تعرف.

وحتى علم الأدوية يخبرنا بالحقيقة المرة لكل دواء مر الطعم فيقول: “Drug without Side-Effect has No-effect” نعم المسألة هي تحمل قدر يسير من الآثار الجانبية للحصول على منفعة وفائدة أكبر وأعم. إذا فهناك بيوت مستقرة ولا تحتاج للدواء ولا للتعدد وهناك بيوت أخرى حتما تحتاجه.

إذا فشل العلاج فالجراحة تقدم حلا

ونعم الأمر مؤلم وشاق على المرأة التي يتزوج زوجها بأخرى ولكن يحب عليها أن تتحمل، ولا تكون مثل الطفل الذي يسوقه أبوه رغما عنه إلى جراح الأنف والأذن ليستأصل له اللوزتين الملتهبتين التهابا مزمنا ومتكررا. ولا يرى الطفل إلا الإبر والمشارط والمقصات والسكاكين الجراحية فيصرخ خائفا ويبكي ويحاول أن يهرب ويجري إلى خارج غرفة العمليات. وهو لا يدرك أن هذه العملية ستخفف عنه وستقيه من خطر الإصابة بداء القلب وتدمير صماماته الذي حتما سيقتله أو يبقيه مريضا طوال عمره. وتمامًا بالنسبة للأمراض الاجتماعية إذا لم تعالج فستؤدي إلى مضاعفات خطيرة وتصدع البنيان الأسري وعلاقات محرمة وغيره وغيره.

حق للمرأة وليس نزهة للرجل

وهذا النقاش العقلي هو ما حاولت فيه أن أحفز تفكيرك وأستثير عقلك لتتعرفي على الجانب الآخر من المأساة، أما الحقيقة التي يصعب على تفكيرك أن يدركها فضلا عن أن يؤمن بها هي أن زواج أكثر من زوجة هو من مصلحة المرأة وليس نزهة للرجل وأنا هنا أدافع عن حق المرأة لا الرجل. فالرجل متحمس بطبعه يبحث عن متعته وحريته وما أجمل أن يعيش الحب والحرية معًا خارج قيود الزواج. حتى إذا شبع غسل يديه وأدار ظهره وانصرف، إنه يشعر غالبا بالاكتئاب بعد الشبع. فلا أسرة ولا بيت ولا حتى فاتورة الوجبة اللذيذة التي التهمها فهو لا يحب أن يدفع وهي قدمت له ما يحب مجانا أو في عرض ترويجي جرب قبل أن تدفع، أقصد تتزوج.

فما أجمل التجربة وكل يوم يذوق صنفا جيدا وبلا مقابل. إن الرجال الذين لا يعرفون إلا الزواج طريقا وحيدا لإقامة علاقة مع المرأة في حقيقة الأمر هم عملة نادرة وقليلون في هذا الزمن وهم كنز حقيقي على المرأة تقديره وعلى المجتمع احترامه وتفهمه لأن البديل مؤلم ومعروف. والأسوياء من كل الأديان يعلمون أنهم مقيدون في الدنيا بقوانين السماء أو باحترامهم وتقديرهم لآدميتهم وإنسانيتهم ويؤمنون بأنه لا يصح لهم أن يعيشوا بلا رابط ولا رادع فينفتحوا في علاقات لا حدود لها ولا ضوابط.

شمعة تحترق من أجل لاشيء

وعلى الجانب الآخر فإن المجتمع لا يعبأ أبدًا بالمرأة ولا نفسيتها ولا وحدتها ولا آلامها. إنه يتوحش ويمارس عليها كل صنوف الاضطهاد والتحرش والإيذاء بل وأيضا يشعرها بالانتقاص الاجتماعي المغرض لأنها تجرأت أو فكرت في الزواج من شخص متزوج، حتى إذا تكرست في ذهنها تلك الصورة القبيحة للمرأة التي تتزوج رجلا متزوجا، ترقبها المجتمع كالوحش الجائع وتآمر عليها ليسقطها في شباكه فهو لا يرى فيها إلا فريسة تستحق الصيد والالتهام بلا رحمه.

إن كثيرا من النساء الذين يسرفون في التفكير والحسابات وتقدير المكاسب والخسائر ويفكرون ألف مرة ويتراجعون قبل الارتباط برجل متزوج. غالبا يتعب عقلها ويرديها قلبها في أقرب مصيدة من شخص معسول اللسان لا يهتم كثيرا بمسألة الزواج فيزين مصيدته بإحكام فتسقط فيها تحت تأثير التعب والإرهاق والانتظار والوقت. وفي أفضل الحالات تقع فريسة للاكتئاب والوحدة العزلة والأمراض النفسية والعضوية.

حكي لي زميلي الطبيب الذي يعمل في دولة خليجية محافظة أن إحدى مريضاته وهي سيدة متدينة ومحافظة جدا طلبت منه أن يبحث عن زوجين لابنتيها من نفس بلدهم بشرط أن يكون الرجلين متزوجان. فاستغرب صديقي وتعجب فردت السيدة أنها تفضل لابنتيها الجميلتين شخصا يقدر الحياة الزوجية ويعرف مسؤوليتها عن آخر مستهتر ومتهور لم يسبق له الزواج (على حد تعبيرها) وبالطبع ليس هذا تعميما بل هو شاهد على أوجه أخرى تخفى على كثير من الناس.

وأخيرًا

وإذا كان لنا مبرر في تقبل حرية آرائكن أو تفكيركن. فليس هناك مبرر لنتقبل التهكم أو الإنكار أو الاستغراب من حكمة التشريع. هذا لا يصح فليس شرطا ما أحبه يحبه كل الناس وليس شرطا ما ليس مقبولًا لدي أن يرفضه بقية البشر. هذا تسلط فكرى وفرض لرأي وكأن لسان حالك يقول رأيًا صوابًا لا يحتمل الخطأ. ورأي الآخرين خطأ لأنهم لا يعرفون الصواب.

ألسنا نعيش الآن عصر التعدد والانفتاح والمادية الطاغية وفوضى العلاقات الاجتماعية والإنسانية. ألم تتفش ظواهر كثيرة تدل على أننا نحتاج لقبول تشريع التعدد الحلال للحد فقط من التعدد خارج إطار الزواج والذي يمارسة الكثيرون بلا رادع ولا رابط. والضحية هنا هم الرجال العقلاء المتدينون الذين يلتزمون بتحريم الحرام ويسلبهم مجتمعهم عنوة وظلما الاستئناس في ظلال الحلال والاحتماء به من قيظ الحياة ولهيبها.

فضلا دعي الملك للمالك، ودعي كل برأيه ورغبته فمن حكم في خلقه فما ظلم. والحمد لله على نعمة العقل الذي حبانا الله وإياكم. فنعرف بها ما يفيدنا ونتجنب ما يضرنا. الله نسأل لنا ولكم الرشد والرشاد ونور العقل والقلب. ودمتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد