عندما تزوجت أجنبية، قامت قيامة عائلتي ولم تقعد! هاجرت إلى دولة أوروبية لأدرس، فإذا بي أقع في حب امرأة مطلقة، ولديها طفل من زواج سابق. سحرني لطفها وإنسانيتها، ولم أشعر بطفلها إلا كقطعة مني، وتزوجنا.

 

عندما وصل الخبر لأهلي كنت قد اقترفت المحرمات جميعها بنظرهم! فإنها علاوة على كونها أجنبية، مطلقة ولديها طفل!

 

يعني بحسب عادتنا كل ما يجعل الزواج من مثيلتها في بلادنا مستحيلا، ولو كانت ابنة بلدي لكنني فعلتها وبإصرار! وأنا فخور جدا بما فعلت، المدهش أن أهلي أيضا أصبحوا فخورين!

 

عشت معها في بلادها، وعاملتها  بِمَا يرضي الله، كما أمر الله الرجل المسلم أن يحتوي زوجته ويرفق بها ويكون لها عونًا، ويخلص ويفي لها.

 

راقبتني بهدوء وأنا أصلي وأقرأ القرآن، فانسكب السحر في نفسها، وأحبت الإسلام وأسلمت. كان فرحي بإسلامها عظيما جدا جدا، وخصوصا أن بعض النساء المسلمات من بنات بلادنا ممن كان الإيمان لم يقر في قلوبهن، كن يذهلن بحضارة الغرب ويتخلين عن الدين ويتركن الصلاة ويعشن مع أزواجهن وأولادهن عيشة غربية تمامًا. ما حدث مع زوجتي الأجنبية كان مختلفًا!

 

لم يتوقف الأمر عند إسلام غاليتي، بل حتى ابنها الحبيب أيضًا قد أشهر إسلامه!

 

والد ووالدة زوجتي لم يريا مثل هذه المعاملة من الصهر (زوج الابنة) من قبل، وقد لاحظا النور الذي طفح من وجه ابنتهم والسعادة التي غمرت حياتها بالزواج من مسلم واتباع دينه، فأسلما هما أيضًا!

 

أسلم ثلاثة أجيال، بفضل من الله ومنة، عندما هاجرت وتزوجت أجنبية! قصة هذا الشاب المسلم الخلوق ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.

 

كل هذا اللغط الكبير حول الهجرة، وضياع البلاد والدين يحتاج منا قليلا من المراجعة لبعض الحقائق:

 

١- الهجرة ليست جديدة في تاريخنا: هاجر الرسول عليه السلام إلى المدينة، وهاجر الصحابة مرتين مرة إلى الحبشة ومرة إلى المدينة.

 

٢- مدار الأمر كله مرتبط بالنية: أول حديث في رياض الصالحين هو حديث النية الذي نصّه: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته لما هاجر إليه).

 

كل إنسان له نيته في الحياة والبقاء أو في الهجرة، قد يؤجر من هاجر بنية الهجرة لله ولنشر دين الله وخدمة المسلمين بإخلاص، بينما لا يؤجر من بقي في البلاد وهو لم ينوِ ولم يسع أن يفعل شيئا في سبيل الله ولخدمة عباده ونصرتهم.

 

٣- التحديات والمخاطر موجودة في الداخل والخارج، في الوطن وفي المهجر، كل ما في الأمر أنها قد تختلف قليلا:

 

عندما هاجر الصحابة إلى الحبشة ارتد أحدهم عن الإسلام وقد كان زوج الصحابية رملة بنت أبي سفيان. ارتد ذلك الصحابي وترك الإسلام ليعتنق المسيحية، ثم مات على ذلك. بقيت رملة رضي الله عنها هناك وحيدة، فتقدم لخطبتها النجاشي ملك الحبشة الذي ترك المسيحية واعتنق الإسلام!

 

في كل مكان سيكون هناك تحديات، وهناك ضعفاء الإيمان. هناك من سيترك الإسلام ويلحد وهو على أرض عربية مسلمة، وهناك من سيسلم على أرض غير مسلمة. مربط الفرس هو النية، نيتك وعملك لتثبت الإيمان في نفسك وفي نفوس من حولك.

 

هل تؤمن حقا بدينك أم هو مجرد عادات وتقاليد سرعان ما ستكفر بها عندما ستجد من يعاملك بشكل أفضل؟

 

هل عملت لتزيد إيمانك وتثبته في قلبك وقلب من حولك بالعلم النافع والعمل الصالح بحيث يكون هناك زيادة دائمة في علمك وعملك ولو رويدًا رويدًا، فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.

 

هل تنفق شيئًا من وقتك يوميا بشكل ثابت لتسمع وترى وتتعلم، القرآن والحديث والتفسير والتجويد وقصص الصحابة والتابعين، وكتبًا تأخذ بيدك وتفتح قلبك وعقلك للخير، أنت وأولادك وأسرتك، أم تركت عقلك وعقولهم لعبة تدس فيها وسائل الإعلام ما تشاء من قيم، فيها الغث والثمين والحلال والحرام والسوي والمريض؟

 

٤- التيار قوي أينما كنت؛ لا تدعه يجرفك، سيكون حولك الكثير من الغوغاء والنَّاس التائهين الذين يعيشون ليأكلوا ويشربوا ويسكنوا ويتزوجوا ويموتوا، لا تكن واحدًا من القطيع، توجه نحو هدفك، أينما كنت.

 

تذكر: إن لم يكن لديك هدف فكل الطرق ممكنة، أما إن كان لديك هدف وبوصلة من القيم والأهداف، فستختار طريقك، وتسقط من حساباتك ما يصرفك عن هدفك، وستصل في النهاية إلى ما تريد.

 

٥- ليست الغربة دائما غربة، كما أن الوطن ليس دائمًا وطنًا؛ الوطن ليس قطعة أرض، فكثيرًا ما يكون المرء غريبًا في وطنه، حينما يتوجه لأهداف أعلى بكثير ممن يحيط به. فقد بدأ الدين غريبًا تماما في مكة، واستوطن حيث وجدت أفكاره محضنًا آمنًا في المدينة.

 

كما أن الفقر في الوطن غربة، فلا يكون الوطن وطنًا بالمعنى الحقيقي للانتماء إلا عندما يحصل فيه الإنسان على العدالة والحقوق الطبيعية له كإنسان.

 

ضمن هذا المعنى للوطن تفقد بلادنا العربية جميعها مفهوم الوطن لتتحول إلى مغترب حقيقي للإنسان، فهناك حيث لا عدالة ومن يطلب حقه يصبح إرهابيًّا ويهدد بالقتل والسجن والتشهير، وإلغاء الإقامة والطرد إن كان وافدًا أو لاجئًا.

 

حيث لا عدالة لا توجد حياة حقيقية، حينها تتحول تلك البلاد الظالمة إلى قوة طاردة وتتحول بلاد العدل التي تسمونها بلاد الكفر إلى قوة جاذبة للبشر.

 

البشر يبحثون عن العدل والكرامة والحريّة والسلام، وحين يصبح التيار الظالم المدمر في بلدانهم الأصلية فوق طاقتهم على الاحتمال، وأقوى بكثير جدًّا من أية محاولة جادة للتغيير مهما كان الثمن، فإن البشر يرحلون إلى حيث يجدون العدل والكرامة والحريّة والأمن.

 

٦- تذكر قصة سيدنا يوسف عليه السلام، لم يجد من إخوته في بلده سوى الأذى والافتراء الذي وصل إلى محاولة القتل، لكن الله أخذه إلى أرض جديدة بدأ فيها حياة جديدة كانت ممتلئة بالصعوبات والتحديات، لكنه عندما نجح في كل الاختبارات وصبر عن الغواية وتمسك بدينه ودعا إليه حتى رفقاءه في السجن، عوضه الله عن كل ما فقده وأصبح  عزيز تلك البلاد.

 

ربما آن الأوان لتبدأ في بلد جديد، ولكن تذكر موقف يوسف أمام الغواية في غربته: (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إن الله لا يهدي كيد الخائنين). فختم الله تعالى قصته بالنصر المبين وبسجود إخوته الذين كانوا له ظالمين: (إنه من يتقِ ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).

 

اتقِ واصبر أيها المهاجر بدينك في وطنك أو غربتك ليكون لك قدر يوسف الجميل.

 

٧-  انتبه إلى الرقم ٩/١٠: في رواية للدكتور أحمد خيري العمري: (تسعة من عشرة)، كان يحاول إقناع صديقه بالعدول عن فكره الهجرة إلى بلاد الغرب خوفًا على دينه.

 

رغم أنه كان مقتنعا بكل مبرراته للهجرة تقريبا، إلا أنه خشي عليه من أن يفقد دينه وهويته ويذوب في تيار المجتمع الغربي غير المسلم وعاداته وتقاليده وأعياده. في النهاية تركه يتخذ قراره الحر المسؤول لكنه طلب منه أن يتذكر الرقم ٩/١٠ تسعة من عشرة! تسعة من كل عشرة من أبناء الجيل الثالث من المهاجرين العرب المسلمين يفقدون كل صلة لهم بجذورهم العربية والإسلامية، هذا ما تقوله الإحصائيات، يعني هم ليسوا قلقين كثيرًا من إسلامك أنت، فسيستطيعون أن يجعلوا ابنك يقدم بعض التنازلات، أما حفيدك فينسى الموضوع تمامًا!

 

هذا يعني أن تسعة من عشرة من أحفاد المسلمين لن يتذكروا أي شيء سوى أن جدهم كان مسلمًا وربما كان اسمه عمر، حسنا ولا شيء أكثر من ذلك. سيعاقر الخمر ويُعاشر النساء ويتعامل بالربا ولا يتذكر حتى الشهادتين، هذا حال السواد الأعظم. ولكن!

 

سيكون هناك ناج وحيد، واحد من عشرة سيبقى مرتبطا بهويته العربية والإسلامية، سيعرف من هو وإلى أين يمضي، سأطلب منك أن تكون وأبناؤك وأبناؤهم، هذا الواحد، الواحد الذي لم ينجرف مع التيار، الواحد الذي ثبت وربما ثبَّتَ الآخرين.

 

ربما كان هذا الواحد هو نفسه الشاب، الذي هاجر، وتزوج أجنبية، فأخذ بيدها وبيد عائلتها كلها إلى الله.

 

ستهاجر، كن هذا الواحد،ستهاجر، كن مع الله، وخذ بيد نفسك ويد من حولك لله، ستهاجر، لا تبق وحدك، مد يدك لمن حولك لتصنعوا طوقًا للنجاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد