في اليوم الأول من تطوعي كأخصائي نفسي وفي مؤسسة مدنية من ضمن مرافقها ملتقى أسري لمشاهدة أطفال الأزواج المنفصلة. بخطوات مرتجفة تقدمت فتاة في مقتبل العشرين تحمل حكم المحكمة الشرعية لتشاهد طفلها لم يتجاوز من عمره العام، لكن هنا تبدأ الصدمة بذعر الطفل من والدته التي لا يكاد أن يتعرف على أي من ملامح وجهها الذي يخفي الكثير من الحزن. وفي مشهد آخر لأب بين كلماته نوبات من الشوق والحزن على حاله وأبنائه الذي وصل بهم الحال أن يلتقوا في هذا المكان القاسي جدا لساعتين من الزمن ما بين أسبوع وآخر.

الانفصال ليس حراما، بل من المباحات التي حللها الله لقوله تعالى: إحسانٌ بمعروف أو تسريح بإحسان.
لكن لا تتوقع نهاية سعيدة لاختيارات خاطئة وبناءات مهزوزة، فما بالك بأول لبنة في المجتمع، وهي الأسرة وثمارها أطفال صغار!

لكن ماذا لو سألت هؤلاء الأزواج عن سبب اختيارهم الطرف الثاني في مؤسسة الزواج؟ أو الأسس التي اتفقا عليها لبناء بيت ملؤه المحبة والمودة؟ أو ما هي نظرتهم للزواج قبل أي شي؟  هل تم الزواج على توافق فكري أو تكافؤ العمر أو المستوى المعيشي والاجتماعي على الأقل؟ لن تجد إجابات تشفي غليلك بعد هذه المشاهدات المؤلمة في أروقة الملتقى الأسري.

إحدى السيدات تقول إنها زوجت ابنتها لإحدى العائلات الثرية والطبقات البرجوازية، بينما هي من طبقة متوسطة، فبدأت المشاكل تثار لفرق الطبقات الاجتماعية؛ لينتهي الأمر بالطلاق لتعبر عن تجربة ابنتها بنصيحة: 0ما حد يأخد أعلى من مستواه).

وفي حالة أخرى لفتاة جميلة قالت بأن والدة زوجها الحاصل على شهادات الدراسات العليا اختارتها لجمالها وحسنها فقط؛ ليفاجأ الزوجان بعدم التقارب الفكري، وعدم وجود أدنى تفاهم؛ لينتهي بهم المطاف كسابقهم. حيث الثقافة الشرقية التي تحتم عليك الزواج في سن معين، وإذا تجاوزت هذا السن يبدأ التلاسن عليك هنا وهناك، والضغوط المجتمعية، فلا حل لك إلا الزواج، وإن كنت بحالة لا تسمح لذلك حتى لا يطلق عليك صفة عانس، بل وفي طريقة محددة، وهي الزواج التقليدي الذي تكون فيه أم الشاب بدور الخاطبة، وتختار الفتاة على أهوائها، وما تنظر إليه هي بنظرتها، وبناء على تجربتها السابقة.

عدا ذلك فإنه ينظر للزواج أنه وسيلة للتناسل والمتعة الجنسية وتبادل المصالح والمنافع بين الزوجين، هذا إلى جانب النظرة الدونية للمرأة أنها عورة، ويجب سترها، أو عبء يجب التخلص منه بالزواج إن كانت مهيأة لارتباط والزواج أم لا.

 والمعضلة الأهم في مجتمعاتنا أنها تمارس السلطة الأبوية بعباءة العادات والتقاليد حيث إنه لا يسمح باتخاذ أي قرار دون الرجوع للأب، حتى وإن كانت قرارات شخصية فردية في إحدى التدريبات للمشاركة السياسية للمرأة طرحت المدربة سؤال على إحدى المتدربات: هل تستطيعين اتخاذ قرار الزواج خالصا، دون الرجوع لوالدك أو أخيك الذكر، (لم تبد المتدربة أية إجابة لتنتقل المدربة لما بعده ختاما بعبارة)، وهذا حال مجتمعاتنا الشرقية. ناهيك عن ذلك أن الزواج في مجتمعاتنا وضع لها قالب واحد موضوع منذ مئات السنين يسير بتتابع مستمر بين الأجيال مع اختلاف بعض التفاصيل الصغيرة ما بين بيت وبيت ومدينة وأخرى. ليدفع ثمن هذه الثقافة والاختيار الخاطئ أطفال كان يجب أن يهيأ لهم جو من الدفء والأمان النفسي ليستقبلوا الحياة بعقول نيرة بعيدة عن مستنقعات الجهل والغباء الفكري والانحطاط المعرفي الذي يحيط بمجتمعاتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد