بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي يُدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض، الذي أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للناس، وعلى آله وصحبه وعلى كل من تبعه من الجِنَّة والناس.

مقدمة في تعريف الفنون القتالية

فن قتالي هو أسلوب معين يحتوي على سلسلة تقنيات عديدة ومختلفة هجومية ودفاعية.

ومدارس الفنون القتالية هي التي لها أسلوب معين وتجمع تقنيات عديدة ومختلفة بالسلاح أو بدون سلاح (اليد فارغة)، تحتوي على حركات باليد أو الرِجْل هجومية (ضربات بالركل واللكم) ودفاعية (صد ضربات)(1)، أو تقنيات تكبيل الخصم وإلقائه على الأرض ثم تكبيله(2)، ولها تمارين- أي المدارس- خاصة لتقوية البدن (العضلات والعظام) وتمرين الخفة والسرعة.

فهذا هو تعريف الفن القتالي وهو الذي لا بد أن يضم تقنيات قتالية وحركات انتقالية مدروسة بمنهج دقيق وعلمي وله مدرسة قديمة أو حديثة.

ويعد فن المسايفة والمبارزة (القتال بالسيف)(3)، والمصارعة(4)، فنونًا قتالية قديمة لها مهارات وتقنيات وممارسها لا بد له من لياقة بدنية وقوة وخفة وسرعة.

فهذه فنون قتالية ثلاثة تنقسم إلى فنون قتالية بالسلاح، وفنون قتالية باليد فارغة (بلا سلاح).

وإذا تأملت في صفحات كتب التاريخ وجدت الحروب منذ بداية البشرية جيلًا بعد جيل، لم تضع أوزارها إلا في فترات قليلة ومناطق معينة.

فهذه الحروب أكسبتهم خبرات قتالية بالسلاح وبغير سلاح حتى أسسوا لها مدارس ليكوِّنوا مقاتلين قادرين على حماية أوطانهم وردِّ عدوان من يعتدى على الأنفس والمال.

والذي بقي من هذه المدارس القتالية في هذه العصور شاهد على الحضارات القديمة في طُرُق تدريب الفنون القتالية، في القديم مدرسة شاولين أو معبد شاولين في الصين(5).

كلام ابن خلدون في الدفاع عن النفس

ولعالم الاجتماع ابن خلدون – رحمه الله – في المقدمة كلام نافع جميل عن الفنون القتالية؛ أوردته كاملًا لأجل الانتفاع والاستبصار به.

قال بعدما بيَّن أنَّ قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء.

فقال: وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضًا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه. لأن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها، وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العُجم من القدرة أكمل من حظ الإنسان، فقدرة الفَرس مثلًا أعظم بكثير من قدرة الإنسان، وكذا قدرة الحِمار والثور، وقدرة الأسد والفيل أضعاف من قدرته.

ولما كان العدوان طبيعيًّا في الحيوان جعل لكل واحد منها عضوًا يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره. وجعل للإنسان عوضًا من ذلك كله الفكر واليد. فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر، والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع: مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة، والسيوف النائبة عن المخالب الجارحة، والتِراس(6) النائبة عن البشرات الجاسية(7)، إلى غير ذلك مما ذكر جالينوس(8) في كتاب منافع الأعضاء. فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة، فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجُملة، ولا تفي قدرته أيضًا باستعمال الآلات المعدة للمدافعة لكثرتها وكثرة الصنائع والمواعين المعدة، فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه. وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل قوت ولا غِذاء، ولا تتم حياته، لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته، ولا يحصل له أيضًا دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات ويعاجله الهلاك عن مدى حياته، ويبطل نوع البشر. وإذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء والسلاح للمدافعة وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه(9). (انتهى كلامه)

المصارعة

إذا تأملنا كلام ابن خلدون وما ورد في كتب التاريخ وأمعنا النظر في قواعد الاجتماع البشري علمنا يقينًا أنّ المصارعة طبيعة وغريزة في الحيوان والإنسان فهي فطرة فيه منذ بداية نشأته وظهر وجوده فقد مارسها الإنسان حوالي أكثر من 15 ألفًا إلى 20 ألف سنة بدافع البقاء والقدرة على اصطياد الحيوانات والدفاع عن نفسه من أي خطر قد يداهمه في العراء، حتى يستطيع البقاء، ومع تقدم الزمن ظهرت القبائل والجماعات فمارسها أيضًا من أجل السلطة وحب القيادة والتوسع؛ فبدأ الإعداد والتدريب على المصارعة حتى يستطيع أن يتغلب على منافسه أو الدفاع عن نفسه وقبيلته وأسرته.

يتبارى في المصارعة شخصان أو أكثر يحاول كل منهما هزيمة الآخر بدون استعمال الضرب.

وهي من بين الألعاب الرياضية الأقدم في التاريخ، ومع مرور الوقت تطورت إلى العديد من الأساليب والأشكال المختلفة. طبقًا للاتحاد الدولي لأساليب المصارعة (FILA)، الأشكال الرئيسية الأربعة للمصارعة التنافسية الهاوية عالميًّا اليوم هي المصارعة اليونانية الرومانية، والمصارعة الحرة، والجودو، والسامبو.

المبارزة (القتال بالسيف)

اخترع الإنسان البدائي الأسلحة للدفاع عن نفسه ضد الحيوانات المفترسة، ولاستعمالها للصيد ونتيجة لحياة الغاب التي عاشها صنع أسلحته من الأحجار المدببة الحادة، ومن ثم من أغصان الأشجار، ومع تقدم الزمن، وتطور الحياة، وتكون الأسر والقبائل والقرى والجماعات، واكتشاف معدن البرونز؛ إذ استعمل هذه المادة لصناعة رؤوس الرماح والسهام والآلات الحادة التي تشبه الخناجر، وأخذ يهذب شكلها بما يشبه السيف الطويل لمساعدته على إصابة فريسته والدفاع عن الأفراد والممتلكات. وعند اكتشاف مادة الحديد أخذ الإنسان يصنع أسلحته من هذه المادة وتعددت أشكال السيوف وتنوعت أطوالها، وصنع أيضًا الخوذ والبلط والدروع والرماح والعصي لاستعمالها في صراعاته والدفاع عن نفسه وحمايتها، وهذا ارتبط بتطوير قابليته البدنية لمساعدته على مجابهة ظروف الحياة القاسية التي عاشها، وبذلك اتسمت المبارزة في هذه العصور بالخشونة والقوة.

فرياضة المبارزة من أقدم الرياضات التي مارسها الإنسان منذ بدء الخليقة؛ إذ ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بحياته من خلال بحثه عن وسائل للدفاع عن نفسه أمام أعدائه من بني البشر أو الحيوانات المفترسة، أو للحصول على قوته اليومي.

ومن أهم هذه الوسائل السيف؛ إذ استعمله للدفاع عن نفسه وحمايتها والحصول على غذائه، فقد تفنن في صنعه وفي طرق مسكه واستعماله بما يحمي جسمه من المخاطر التي جابهته منذ بداية الحياة، وعلى الرغم مما حمله التاريخ من صور ناصعة البياض عن سلاح السيف فإن ما وصلنا القليل من تاريخ هذه الرياضة التي مرت وتطورت مع تطور الحياة البشرية عبر عصور التاريخ.

الفنون القتالية اليابانية

وجميع الفنون القتالية اليابانية «البودو» والمعروفة عالميًّا مثل «الكاراتي والجيدو والآيكيدو والكاندو والسومو. نشأت من تقنيات قتال الساموراي والتي تطورت عبر القرون».

الفنون القتالية الصينية

وكذلك رياضة الكونغ فو أساليب متنوعة لفنون القتال بالأسلحة التي كانت تمارس في الزمن القديم في عهد أسرة شانغ، التي اهتمت بإتقان أسلوب السيف العريض في القرن السادس عشر. وعملت على نشر أسلوب القتال بالسيف العريض آنذاك، حيث كان أكثر الشباب والرجال، بل أيضًا النساء، يهتمون بتعلم أسلوب السيف حتى أصبح شائعا بين عامة الناس. كما تطور أسلوب السيف عبر المراحل التاريخية المختلفة وظهرت المدارس التي أخذت تتطور تطورًا ملحوظًا مثل مدرسة «تشاوى» ومدرسة «يويه» ومدرسة «ووا» التي اكتسبت الخبرة الفنية من الاستمرار في التدريبات القوية العنيفة، وسرعان ما أصبح أسلوب السيف العريض يمارس بسرعة وقوة ومرونة بالاعتماد على اللياقة البدنية العالية، مع الإتقان في أداء الحركات بمهارة دون صعوبة، حيث تعتمد حركاته على الطعن والقطع والاكتساح والتلويح إلى أبعد مدى وأقرب مدى بسرعة ومهارة. وجدير بالذكر أن هذا الأسلوب من أهم الأساليب التي وضعها الاتحاد الآسيوي لرياضة الكونغ فو والذي اختاره من ضمن عشرات الأساليب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- مِثل الكونغ فو والكاراتيه وما شابهه.
2- مِثل الآيكيدو والجودو والمصارعة.

3- ـ من أشهرها (Jikishinkage-ryū ) أو ( Kashima Shinden ) وهي مدرسة التقليدية (كوريو) من فنون القتال اليابانية المبارزة (كين جوتسو).

4-  المصارعة هي من بين الألعاب الرياضية الأقدم في التاريخ، يتبارى فيها شخصان أو أكثر يحاولون كل منهما هزيمة الآخر بدون استعمال الضرب.

5- ووشو شاولين اليوم قد اخترقت سياج معبد شاولين، فهناك عدة مدارس للووشو الصينية (الكونغ فو الصينية) قرب المعبد، ويتجمع فيها عشرات الآلاف من الشبان والفتيان.

6- تِراس: صفحة من الفولاذ مستديرة أو بيضية الشكل تُحمل لوقاية الوجه والرأس من الضربات.

7- جاسية: الصلبة، الشديدة.

8- جالينوس: (باليونانية: Κλαύδιος Γαληνός)‏ هو طبيب إغريقي ولد في بيرغامون سنة 129 وتوفي سنة 216. مارس الطب في أنحاء الإمبراطورية الرومانية وعالج العديد من الأباطرة الرومان. كان أكبر أطباء اليونان وأحد أعظم أطباء العصور القديمة.

9- مقدمة ابن خلدون (الباب الأول من الكتاب الأول في العمران البشري على الجملة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد