صور الشهداء التسع الذين فاضت روحهم بمشنقة ظالمة، جعلت صفحات التواصل الاجتماعي تقطر دموعًا وآهات على فراق أحبة تسع من أنبل الشباب، فارقونا بظلم الظالمين، ترى الآهات في حديث كل صديق، وبالطبع مشاعر الفراق لها جل الاحترام والتقدير، ولكن دعونا ننظر من جهة أخرى أهي البداية أم النهاية؟!

أليست هذه المشانق هي التي نقلتهم من حيزهم الضيق إلى السعة، فجرت الكثير من المعاني، كانوا روحًا جديدة فاضت بفيض روحهم، وجوههم المضيئة وأكفانهم البيضاء هزت المشاعر بداخلنا، أعادت إلينا المصالحة مع الموت، أعادت الحديث عن الحور العين.

ترى الصفحات تتكلم عن أحبة كانوا بيننا، وأخرى تكتب وصية من فارقنا، وثالثة تنبض بفضائل ومناقب، ورابعة تنشر صورًا لهم، صدقوني نقترب من رحلة الرحيل التي نفر منها.

لكن أهي النهاية كما يراها البعض؟!

أجدني أمام ذكر متكرر للشهادة في القرآن الكريم بالتأكيد لما لها من أجر ومثوبة ولكن أليست لأنها حياة جديدة لنا بحياتهم الجديدة لهم؟ ولأن بها تحيي الهمم الميتة كتبت الكاتبة الفلسطينية أ. لمى خاطر: «فحين قرن القرآن الكريم الشهادة بالحياة في أكثر من موضع فيه كان ذلك ليس فقط لتبيان جزائهم المديد عند الله، بل لأن أثر الشهداء يحيي نفوسًا ميتة ويرمم أخرى خربة، ويعيد تعريف كثير من الأشياء في وعي الناس، حتى وإن لم يشعروا بذلك مباشرة، فتلك الطاقة غير الملموسة التي تصنعها الشهادة تتفاعل ببطء داخل الأرواح والأفئدة ويتمدّد نورها شيئًا فشيئًا في ساحات الألباب، حتى تصوغ وعيًا خاصًا وتنتج نفوسًا جديدة، في إبائها وعنفوانها وفهمها لدورها، وقدرتها على احتمال تكاليفه».

ولنا في النهاية العجيبة للإمام حسن البنا صاحب في بواكير شبابه، حين حاولوا بقتله إنهاء دعوته وقتل فكرته فكانت شهادته وقودًا في نفوس أتباعه ومن جاء من رجال النور والخير، كانت شهادة حياة لدعوته وفكرته.

ويكتب بدمائه: «إنّ الأمّة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الميتة الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة».

يا سادة أؤكد لكم أن الشهيد ليس كحال غيره أنانيًا يعيش لنفسه بل هو الكبير الذي يفيض حبًا وعطاء، يقدم نفسه قربانًا ليعيش غيره، يضحي بأحلامه وآماله في الأرض ليحقق غيره أمانيه، واستشهد بكلمات الأستاذ سيد قطب في تفسير سورة المزمل: «إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، ولكنه يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير.. فماله والنوم، وماله والراحة، وماله والفراش الدافئ والعيش الهادئ والمتاع المريح».

وما الشهادة إلا رحمة من الله لصاحبها بها ينهي حياة الكروب والهموم والأحزان قالت‏ فاطمة رضى الله عنها:‏ «واكرب أبتاه»، فأجابها‏ الحبيب صلى الله عليه وسلم:‏ «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»‏،‏ انتهت حياة المكروب يا بنيتي، ويكتب فضيلة الشيخ عبد الملك اليمني: «الشهادة هي السبب الوحيد لانتقالك من هذه الحياة فإذا فرضنا أنك لم ترزق بالشهادة فتبقى في هذه الحياة لا.. بل هي أفضل وأرقى وأسمى عملية استثمار من فناء محتوم وموت لا بد منه وانتقال حتمي، انتقال لا بد منه، إذًا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بفضله بكرمه برحمته فتح فرصة أمام عباده لاستثمار هذا الفناء وهذا الموت وهذا الانتقال من هذه الحياة المحتوم الذي لا بد منه باستثماره بشكل ينتقل الإنْسَان فيه إلى درجة عالية منزلة رفيعة نعيم عظيم فضل عظيم أجر كبير عن طريق الشهادة في سبيل الله».

يا أحبة القلب لندع البكاء والنحيب على من فارقونا ونعلي الهمة لنلحق بهم، رزقنا الله وإياكم شهادة في سبيله.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد