حقبة زمنية كاملة انتهت بوفاة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، 30 عامًا رئيسًا للجمهورية مسبوقين بست سنوات نائبًا لرئيس الجمهورية، ومتبوعين بتسع سنوات منذ إعلان تنحيته عن منصبه رئيسًا للجمهورية. تسع سنوات مليئة باللعنات، أو بأمل فيما هو قادم، أو حسرة على ما مضى، أو رغبة في عودته من جديد، كل حسب رؤيته وتوجهاته.

انتهى عهد مبارك للأبد فلا سبيل لعودته، عهد مبارك الذي أتذكر أنني في صغري كنت أظن أنه لن ينتهي أبدًا. كنت أفكر هل من الممكن أن أعيش حتى أشهد حاكم آخر غير مبارك، وهل سيصبح في العمر متسع أن أعيش في ظل حكمه؟ كان مبارك يبدو كأنه كائن هائل لا يمكن استبداله فلم يكن يجرؤ أحد حتى في خبايا عقله الباطن أن يفكر في أنه من الممكن أن يحل محله آخر فهو باقٍ لا يمرض ولا يموت.

كما كان يتم تغذية العقول ببطولاته من خلال الإعلام الرسمي. ومن يجرؤ على التشكيك فيه أو في أنه من الممكن أن ينتهي حكمه في أحد الأيام فكان مصيره معروفًا، حيث ينتظره مكانه في المعتقل أو المقبرة.

لذا، فكان من الطبيعي أن يمجد الشعب فيه ولكن الغريب أن مبارك نفسه كان يتصرف على هذا الأساس، أتذكر انه كان يمنع تداول أخبار مرضه كأنه إله لا تصيبه الأمراض مثلنا نحن البشر ولا يموت ولا يترك منصبه، وهو ما يذكرني بقول نجيب محفوظ في روايته «ثرثرة فوق النيل» حين قال: «لم يكن عجيبًا أن يعبد المصريون فرعون، ولكن العجيب أن فرعون آمن أنه إله».

وحققت الثورة المستحيل وأزاحته عن منصبه، ثم أتى أمر الله الواحد الباقي الذي لا إله الا هو فقبض روحه إليه. فما كان من المصريين إلا أن عادوا لما كانوا عليه من تمجيده، تملؤهم الحسرة على مضي أيام حكمه وكأن الثورة لم تكن.

نسوا، أو تناسوا أنه هو مبارك ذاته الطاغية الذي قتل الآلاف منهم، إنه مبارك ذاته الذي انتفضوا ضده وثاروا عليه. يدعوننا لأن نترحم عليه ونسوا أنه مبارك ذاته الذي لم يرحم شعبًا كاملًا طوال 30 عامًا من الجوع أو الفقر أو الأمراض.

نسوا أنه مبارك ذاته الذي لم يرحم المعتقلين من التعذيب. نسوا أنه مبارك ذاته الذي لم يرحم موتى القطار الذين ماتوا متفحمين وأنه مبارك ذاته الذي لم يرحم موتى العبارة، بل خرج للاحتفال ببطولة كروية وهم شاركوه الرقص على جثثهم، ثم حول مأساتهم لمزحة.

اعلم أن للموت جلاله ولكنه لم يتعظ به أو يحترم جلاله ولم يحترمنا أو يحترم من يبكونه الآن، فلماذا نحترمه نحن؟ ودعني هنا أستشهد ثانية بأديبنا الكبير نجيب محفوظ حين قال: «عندما يحترموننا أحياء نحترمهم أمواتًا».

نعم للموت جلاله وجميعنا أموات نرجو رحمة الله، ولكنهم لم يحترمونا في حياتنا حتى نحترمهم أمواتًا.

اعتقد أنه ربما من الغريب أن يشغل المصريون فكرة الترحم على مبارك طاغيتهم السابق، بل المطالبة بجنازة عسكرية تليق به وبتاريخه بدلًا عن الانشغال بفكرة أنه لم يلق مصيره الذي يستحق في حياته، وأنه لم يحاكم محاكمة عادلة تليق بجرائمه فتكون جزاءً لما اقترفت يداه في حق شعبه طوال ثلاثون عاما. ولكن أعتقد أن السبب يعود إلى المقارنة بين نظام مبارك والنظام الحالي، وهو ما يجعلها تبدو وكأنها الجنة بذاتها .

وفي النهاية فقد مات مبارك، وهو الآن بين يدي الملك العدل ليجزيه عما فعل. وكل ما بأيدينا أن ندعو الله أن يرحم الأحياء منا والأموات ويتغمد برحمته شهداءنا الأبرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد