لا سلام علينا ولا رحمة طالما لا نستطيع حمايتهم، لا حياة رغيدة نحيا لأجلها ولا ضحكات نستحق أن نضحكها، فنحن الذين يضرب بنا المثل بالبطولة والعزة بتنا نهرب من الحتف ونُخبر عن الذين حفروا المجد بأرواحهم.

المجد يركع لهم، والعيون تدمع عليهم، كورود الحديقة يُزهرون ثم يقطفون، أليس صعبًا على من سقاها طيلة فترة نموها؟ كلامنا قليل عليهم، ما نفعله لأجلهم لن يكفيهم، سنبقى مقصرين في حضرة أقمار الوطن، في حضرة شهداء هذا الوطن.

وطننا جامعة تخرج كل يوم أفواجًا من الكرامة، تعلم الذين تخلوا عنها، كيف نموت لأجله، كل يوم جامعة عزنا تزف عرسانها لحور العين، تزف من ضمتهم في حجرها وعلمتهم ماذا تعني حياتنا بعد الممات وماذا تعني الشهادة في سبيل الوطن؟

بطل يُحطم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر

بينما كنا ننخرط في دنيانا من عمل أو دراسة خرج شاب في مقتبل عمره، علم الاحتلال ماذا يعني الاعتداء على المقدسات المباركة؟ عمر أبو ليلى الشاب المبتسم دائمًا ظل صارمًا حتى آخر رمق من الاشتباك.

دخل مغتصبة أرائيل، طعن مستوطنًا ببغض وأخذ سلاحه قسرًا ثم أطلق نيران حبه لبلده على صدورهم، ثلاثة جنود قتلوا وأصيب اثنين.

أسلحتهم محرمة دوليًا، في حوزتهم كاميرات مُراقبة ترصد أبعد الأماكن بدّقة، لكن هذا المِقدام أذاع عجزهم وصدّع صلابتهم.

ستون ساعة قضاها مطاردًا، ما بين بلدة وأخرى حتى استقر في قرية عبوين القريبة من رام الله التقط آخر أنفاسه هناك ثم فاضت روحه للعلا وصعد العمر قمرًا منيرًا في سماء حريتنا.

غيرة في سبيل الوطن

من بعد ارتقائه قادت سلفيت موكب البطولة، لكن دمشق الصغرى أظهرت غيرتها فقدمت زهرتين من عمرها وهم رائد حمدان وزيد نوري، على أمل منها أن ينبت الياسمين وتعود سماؤها منيرة بأقمارها.

رفاق في الدنيا وفي الجنة

عادا من عملهما في سيارتهم الخاصة ولكن بطش العدو لا يفرق بين أحد، فلم يصمت لؤمهم بإطلاق الرصاص الحي عليهم فحسب، بل عقب استشهادهم لحقتهم جرافة ودمرت سيارتهم.

أجسادهم مخضبة بالدماء، وجوههم مهشمة من الرصاص، عيونهم مشرقة كأنهم رأوا الجنة، كانا رفيقين معًا في الدنيا واستشهدا معًا ليكونا رفيقي وطن رفيقي شهادة على أسرة الجنان.

المشتبك المُثقف.. الشهيد الباسل

ارجعتنا ذاكرتنا للخلف قليلا وعادت بنا إلى البطل باسل الأعرج الذي لم تركن نفسه جانب الضّفة بل كنت على شرقِها القُدسيّ مُشتبكًا، مُتقدّحًا حدّ الثورة. مُتصلبًّا بدماء المسيح وتوحيد المؤمنين له. حينما كان جثمانه يترقرق بنبيذ النّجس من اليهود.

عندما حلّقت روحه فجرًا مناجيةً السماء ونزفت دموع أمي مساءً كنتُ الحرية الذي لم يسمع عن ابن آذار ودِمنَة مارس، عن قرسِ رام الله ولهب بيت لحم. وناشِده عند الفجر يضحكُ معه ويبتسم حتى يتذمر منه، سيتنفس حتى اللّحظة الأخيرة ويشهق بعدد مرات صياح الديك صُبحًا وشظايا رصاصي حينًا. هو الثورة حينما تموت الضمائر عن فلسطين.

الأشرف بل الأعظم منا.. نعالوة

«وماذا بعده؟ وهل هناك بعده؟ أم قبله أم أن الزمان، قد تجمّد عند خروج روحه، وصُعِقت السماء قبل الأرض بفقده، وارتمت شقيقته الثكلى، في حضن الوطن، تُرى ماذا جمعها به؟ فقد حضن آل بشكار، ونابلس التي كرّمته، أحبّته وأطعمته، وغرست في وريده ماء الثورة والمخيم، لم يخنهُ المخيم.. لم يخنه الوطن.

في الطرف الآخر، ولا يصحُ أن يُقال الشق الآخر في الوطن، لكنّه الشق الآخر من الرصاص، قد صُعِقت السماء بروحِ صالح البرغوثي، في اليوم الثاني عشر من كانون الأول لعامِ الصعاب الفلسطيني عام 2018، ساعتان فصلت بين رصاصٍ ورصاص، وطريقِ الوطن الأوسط الذي يربط البقعة الواسعة من الوطن بشقيقتها الأخرى، هما نابلس نعالوة ورام الله البرغوثي، ونداء المخيمات لم يقف، فلكلٍ منها نصيب، وللوطن منها الحب الأكبر». بقلم هدالة شتية.

الشهداء لا مقارنة معهم

ما قيل عنهم بأنّهم رامبو أو محترفو الببجي، ماهي إلا مُصطلحات تافهة هزيلة تُقال في حضرة صارمين تركوا أغلى ما يملكوا ليدخل ضمن موسوعة أبطال فلسطين.

غطرسوا مخالِبهم في حناجرهم وتشبثوا بما خرجوا لأجله، حملوا أرواحهم على راحتهم في سبيل حرية وطنهم، فالتحقوا بعنان المُطاردة، لتسطير حياتهم الجديدة بين الجبال وأعماق الاختفاء.

حدثني عن وطنك!

وإن سئلنا عن المجد، إجابتنا تتلخص بصارم حازم هُمام باسل مُستقيم بالرّغم من اعوجاج وقتنا، وبطل سَار على نهج أشرف منّا ليعتلي عنان الشّموخ في جنّةٍ لا يدخلها إلّا الأعزّاء، فيها القمر مُتألَّق صالح لا دنس ولا رجس فيه، وأخيرًا فاه وطنٍ ضاحك يتربّع على وجه الأحمد.

ويبقى فخرنا بأن الشهداء لا يموتون، فنحن شعب لا يعرف الموت، نعشق الشهادة والأرض ولادة، فطوبى لوطن الشهداء، طوبى لفلسطين، ويبقى الكلام قليلًا عليهم، فالرحمة لأرواح لا تفارقنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد