ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند رَبهم يُرزقون، قول ربي جل وعلا.. ذاك الوَعد الرباني.. والعَطية التي تأخذك بكل قُواك كي لا تنهزم.. وَهل أعظم من الحياة من بِشارة كهذه.. أحياء عند رَبهم.. فللشّهداء ما ليس لغيرهم.. الشّهداء الأكرم منا جميعًا.. الذين قَدموا أغلى ما يملكون من أجل الدّفاع عن أوطانهم.. والذين وقفوا في وجه الظّلم.. الذين حاربوا المعتدي.. ولسان حالهم يقول:

ما العيش إن لم أعش … مخوف الجناب حرام الحمى

إما حياة تسر الصديق … وإما ممات يغيظ العدا

فكانوا مُقبلين غير مُدبرين.. لا يَهمهم أسر أو اعتقال أو تنكيل.. كُل ما يدور في خلدوهم الكرامة.. أنْ يعيشوا في أرضهم كرماء.. أعزة.. وهم يعلمون جيدا أنّ ما يمكنه أن يجره عليهم هذا المُحتل هو حكم الله فيهم.. فمن ركن إلى الله عز ولو قُتل.. ارتفع ولو أسر.. انتصر ولو هُدم بيته.. فقد تكون الطّريق إلى الله ليس سهلة في زماننا.. فكل ما فيها يُدمي القلب قبل الأقدام.. لكن أهل الحق أنسوا بها.. وآمنوا بأن السّير فيها أعظم الأهداف.. وأرقى حياة.

والشّهداء أهل الله وخاصته.. يختارهم الله.. من بين آلاف النّاس.. لأنّهم صَدقوه فصدقهم.. يختارهم لينثر عطر سيرتهم في كل القلوب التي تعرفهم والتي لا تعرفهم.

الشّهداء.. ليسوا عاديين.. أبدًا …

قَد نراهم بيننا.. يعشون أمثالنا.. يشربون ويأكلون ويتنقلون.. لكنّ دواخلهم براكين من الغَضب.. قلوبهم جمر من نار.. أرواحهم تُحلق دائما في العلياء.. فهم ليسوا عاديين.

يختارهم الله بِدءا مَذ يولدون في عوائل تُربيهم التّربية التي تُؤهلهم ليكونوا شّهداء.. فالشّهادة تربية.. تبدأ حين تُرضعه أمّه حليب العزة والكرامة وعدم الخضوع والخنوع.. للشّهداء أمّهات كالحديد..كالصلصال.. زرعن في قلوبهم حُبّ فلسطين … وَعلمنهم أنّ الإيمان قضية.. وما اجتمع الإيمان وحب الأوطان في قلب أحد إلا ظلا يدوران كَعاصفة في بحر.. كي يُغرقان المعتدي والمُحتل والظالم.

فصاحب الإيمان لا يرضى الظلم.. لا يرضى الفساد.. لا يرضى بكل ما يؤذي الإنسانية.. وحب الأوطان.. لا يرضى بالخنوع والخضوع.. وكلاهما معول ثابت في تحريك مشاعر الغضب لدى هذا الشّهيد كي يرفض وينزف ويرتقي.

وَلكن ما الذي لا نَعرفه عن الشّهداء؟ وَهم يعيشون بيننا.. يتنقلون.. ويعملون.. لا شيء يظهر عليهم.. لا يبدو عليهم ذلك.. ونتساءل: كيف حدث ذلك؟ وأحيانًا يلجأ البعض لوسائل التواصل باحثين على صفحاتهم ليعرفوا ما الذين يُميزهم؟

كيف اختارهم الله من بيننا؟ ولم انتقاهم؟.. فالموت آت.. آت.. لا محالة.. وقديمًا قال الشّاعر من لم يمت بالسّيف مات بغيره.. تعددت الأسباب والموت واحد.

ولكن هيهات هيهات.. بين من اختاره الله ليموت شهيدًا وبين من مات ميتة طبيعية.. ونحن نعلم كم تألم الصّحابة والتابعين الذين ماتوا على فراشهم لأنّهم لم يُسْتَشهدوا.. ولا زالت أبيات أحد الصّحابة وهو عبد الله بن رواحة تتردد: غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبه.. حثًا على عدم الخوف من الاستشهاد في سبيل الله.. دفاعًا عن الدين والعرض والوطن.

قد لا تكون الشّهادة هدفًا.. لأناس يعيشون في رخاء ونعيم.. لكنها أكبر من هدف لمن يعيش تحت حكم محتل غاصب.

فهؤلاء الذين استخلصهم الله.. واختارهم شُهداء.. هم حتمًا أناس باعوا الله أنفسهم وأوقاتهم.. لم تَشغلهم الدّنيا بملذاتها، رغم أنّهم يعيشونها.. قد نجدهم يركبون سيارات فارهة.. ويعيشون في بيوت فخمة.. وقد نجدهم بُسطاء يعيشون الحياة يومًا بيوم ولهم أحلام كأحلامنا.. منهم من يحلم ببناء ببيت.. ومنهم من يحلم بشراء سيارة.. ومنهم من يحلم بإنجاز تعليمه.. ومنهم ينتظر طفلًا.. ومنهم من ينتظر حبيبة.. لكن حُب الله والرغبة في تحرير أوطانهم كان دوما هو المُقدم.. فلم تُفقدهم لذة الحياة الإقبال على الله.. نجدهم يطلعون كالأقمار.. في ظُلمة الليل الحالك.. لا ندري من أين أتوا؟ أو كيف أتوا؟

لكن الله درى.. وعرف حالهم معه.. وَصدقهم كما صدقوه.

فطبتهم أيّها الأحياء عند الله.. طبت وطاب ذكركم.. يا من اصطفاكم الله.. يا من رفع ذكركم.. يا من كرمكم ربكم في الحياة الدّنيا قبل الآخرة.. طبتم وطابت أرواحك في جنان الرحمن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد