الناس يحبون الدماء ، يحبون الاكشن، ولا يحبون الهراء الفلسفى المحبط والممل ” .. بهذه المقولة فقط لخص لنا الكاتب والمخرج ” اليخاندرو جونزاليز ” فى فيلمه ” Birdman ” حال الفن بأكمله فى العصر الحالى، سواء سينما أو مسرح أو موسيقى أو غناء، بل حال الذوق العام فى العالم أجمع ، فقد اصبح شعار العصر الحالى هو: الاستسهال والبحث عن تقديم محتوى رخيص يجذب الانتباه؛ لتحقيق الربح فقط بالمقام الأول، ودون النظر إلى الرسالة أو القيمة التى كان الفن دائما يرسخها فى عقول المشاهدين عبر أنحاء العالم

.

كنت دائما عندما أصادف حملة إعلانية بالطريق أو على شاشة التلفاز، لفيلم رخيص من أفلام الرقص والأغانى الشعبية والمهرجانات، أتساءل من مختل على استعداد أن يهدر ساعتين من عمره وبضع ورقات من المال فى هذا الهراء ؟

 

 

وفى الحقيقة وجدت أن المجتمع بأكمله مختل، ليس عقليا، ولكن أخلاقيا وفكريا؛ فتلك الخلطة التى أصبحت هى شعار المرحلة الذى يجذب ” الزبون ” ويفرغ الجيوب لنجد في النهاية فيلما ما ـ تكلفته الانتاجية لا تتجاوز الخمس جنيهات ـ براقصة وطبال ومهرجان وبعض البلطجية و الدماء على الشاشة يحقق الآلاف، بل ملايين الجنيهات.

وبالنظر الى أفلام ” آل سبكى ” نجد أن الأسرة طبقت كافة معايير جذب الانتباه والمال بصورة شبه متكررة، ففى كل عام تجد الفيلم ذاته بالبطل ذاته بالقصة ذاتها يحقق نجاحا باهرا على المستوى المادى ، وتجد فيلما آخر بميزانية أقل وقصة تستحق المتابعة ومواهب جديدة ولا يحقق ربع تكلفته؛ لأنه ببساطة، المشاهد لم يجد ما يبحث عنه فما الداعى إلى مشاهدة وإنتاج قصة درامية أو قضية اجتماعية فى حين أن أفلام الانحطاط الأخلاقى تحقق أضعاف ما سيحققه فيلما مستقلا هادفا .

بتلك النظرة السوداوية تذكرت المبدأ ذاته الذى أصاب السينما العالمية حاليا، وهو ما يسمى بأفلام: ” Marvels ” و ” Dc Comics ” فقد انتشر وباء الأبطال الخارقين فى العصر الحالى بالمقارنة ببداية ظهور هذا النوع على استحياء فى أواخر الثمانينات والتسعينات بأفلام الرجل الواطواط وسوبرمان والرجل العنكبوت فى الألفية الجديدة، وكانت فكرة وجود أفلام لأبطال خارقين جدد هو أمر لا يحبذه الكثيرون؛ نظرا لأن هذه الأفلام لم تكن تحقق ما تحققه الآن وكانت تعتمد على ميزانيات غير مبالغ فيها، ولكن مع صعود ” Marvels ” ربما تغير كل شيء: فقد استغلت الشركة تطور المؤثرات البصرية وأساليب الإخراج وخلطها بنجوم الصف الأول، أمثال: ” سكارليت جوهانسون ” و ” روبرت داونى جونيور ” وكثيرون لتحقق بهذه التوليفة إيرادات خيالية، وأصبح من المستحيل أن يمر العام دون 4 أو 5 أفلام لأصحاب القدرات الخارقة وأبطال القصص المصورة والتى يهرع الناس لمشاهدتها وخاصة الأطفال والمراهقين وبنفس الشغف يهرع المنتجين لإنتاجها لما تحققه من أرباح لا يمكن حصرها.

وبتلك التيمة نجد أنه من حيث المبديء تتشابه خلطة ” Marvels ” مع خلطة ” آل سبكى “: فالاثنان يقدمان ما يبحث عنه الأغلبية، وليس ما تبحث عنه الأقلية الهادفة، وإن كانت ـ من حيث المضمون ـ الخلطتان لا تحترمان عقلية المشاهد فى بعض الأحيان، ولكن على جانب الغرب تحترم على الأقل وجود عائلات وأطفال وتقدم محتوى غير خادش للحياء، عكس الجانب الآخر الذى تغمره السعادة عندما يجد طفلا يقلد ما شاهده فى الخلطة السبكية .

وعندما تأتى هذه المقارنة فإننا نبحث عن العامل المشترك فقط لإنتاج تلك الأفلام، ولا نبحث عن الجودة و المستوى ـ لا سمح الله ـ وإن كانت أفلام السبكى الأمريكية المتمثلة فى السوبرهيروز أصبحت محل سخط وسخرية الكثيرين، والتي وصفوها بالتجارية المملة، ووصل الأمر إلى إانتاج فيلم درامى حائز على الأوسكار يسخر من سيطرة هذه النوعية من الأفلام بفيلم ” Birdman “>

 

 

وان كانت هذه النوعية تحمل رسالة وقصة وأساليب إخراجية جيدة فى بعض الأحيان، أما في بلادنا فحدث ولا حرج ، الإخراج صفر، المونتاج صفر، القصة صفر، والموسيقى مسروقة من أفلام الغرب، والمخرجون المبدعون والكتاب الموهوبون يمكن عدهم على الأصابع، ولكن بالنظر إلى دولة مثل أمريكا فإن الاهتمام ليس فقط لافلام السوبرهيروز، ولكن يوجد أيضا أفلام الرعب والدراما والكوميديا والأفلام الحربية التى تهتم بها تلك الدولة؛ لترسيخ مباديء شيطانية غير مباشرة فى بعض الأحيان بعقول الشرق، ولكن قمة الإعجاز العلمى أن تجد كل هذه النوعيات من الأفلام في فيلم واحد لا تكاد تحدد قصته أو تصنيفه أو مضمونه، فى حين أن أفلام السينما المستقلة التى تمثل مصر بالخارج نادر إنتاجها ولا تعرض على شاشات السينما فى بعض الأحيان

.

لم يخطىء المبدع البريطانى ” تشارلز ديكنز ” عندما قدم لنا فى روايته العالمية ” قصة مدينتين ” تصوره عن كم الفساد والظلم الذى وصلت له الأوضاع فى مدينته، ليرسم لنا لوحة أدبية بمشهد تحطم زجاجات الخمر وسقوطها على الأرض لتغطى أرضية المدينة؛ ليعبر عن مدى الانحدار والفساد الذى وصل البلد له، وليشير إلى تلك العاصفة الثورية القادمة لتطهر ما أفسده القائمون على الحكم.

 

وهذا ما نأمله! أن تأتى تلك العاصفة الثورية؛ لتطهر الفن والسينما ونواجه الانحدار الأخلاقى ونسعى للارتقاء بالذوق العام . وللأسف أمر كهذا من الصعب حدوثه فى ظل تجاهل الدولة للثقافة والفن بفتح الباب علي مصرعيه لمن يفسدون صناعة السينما، بالإضافة إلى عدم توفير ميزانيات محترمة للأفلام المستقلة الهادفة، التى تمثل مصر بالمهرجانات والمسابقات العالمية وترفع من سمعة الوطن، لنجد أن السؤال المعتاد: ” متى تصل مصر إلى الأوسكار والعالمية ؟ ” إجابته: من المستحيل ذلك تحت حكم الخلطة السبكية وتجاهل الدولة .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد