مفهوم الوقت عند العارفين وأئمة التصوف قريب جدًّا من إدراك اللحظة التاريخية عند الماركسيين الأصيليين؛ فهو شديد الواقعية، ويحترم اللحظة ولا يخالفها، ويرى أن مخالفتها بفعل خارج عن المرهون بها مهلكة، وأن خالص العرفان هو الاشتغال بما هو أولى في الحال، والقيام بما هو مطالب به في الحين.

 

الأمر المرتبط في التصور الماركسي بإدراك أن “وعي” الناس مرتبط بوجودهم الاجتماعي في لحظة تاريخية معينة، أي أن الظرف التاريخي بكل مكوناته المسؤول عن تكوين هذا الوعي، والفعل انطلاقًا منه، وهو القول القريب من قول أبي الحسن الشاذلي: “الصوفي ابن وقته”، وقول بعض أئمة المتصوفة: “الخيرة في الواقع”.

وكما في التصور الماركسي أن ذلك يحدد طبيعة الفعل، وانطلاقًا من أهمية عدم تجاوز المراحل وسياق الظرف التاريخي، فكذلك عند المتصوفة: “الوقت من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردى”.

هذه المقاربة يمكن أيضًا تصورها في موقف الإمام محيي الدين بن عربي القائل بـ “أدين بدين الحب”، و”لقد صار قلبي قابلاً كل صورة”، عندما أفتى – وهو المالكي فقهًا- لعلاء الدين كيكاوس المعروف بـ “كيقباد الأول” سلطان السلاجقة، عقب غزوه لأنطاكية، أن يُقتّل في نصرانيها إن لم يدفعوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون.

 

وكما يرفض التصور الماركسي أن يكون للإرادة والوعي البشري دورٌ في الوجود التاريخي، أيضًا ترفض الرؤية الصوفية أن يكون للإنسان حظّ في الإرادة، وكما أن التاريخ سياقه وحركته حتمية، فالوقت سابقٌ في وجوده آنيّ في حدوثه، وهو في علم الله، والإنسان محكوم به، لا حكم له عليه، كما يرى الصوفية.

 

وأيضًا نعود لقضية الوعي الذي هو محكوم عند ماركس بالظرف التاريخي، فهو كذلك عن الصوفية عندما يقول الإمام الأكبر ابن عربي: “كل حال يدوم زمانيين لا يعوّل عليه”، ومفهوم “الحال” من المفاهيم المؤسسة في طريق القوم، أي الصوفية، وهو في اللغة: “الهيئة التي يكون عليها الشيء عند ملابسة الفعل له واقعًا منه أو عليه”.

 

وفي مجموع ما اصطلح عليه الصوفية؛ فهو وارد من الله يوهب الإنسان إياه دون تدخل منه، ويتغير الحال بالزمن وتغير الوقت، فدوامه إذًا معارضةٌ للوقت. وعلى هذا المنوال يقول ابن عربي: “الوارد المنتظر لا يعوّل عليه”، فالصوفيّ في حكم الوقت، وما أشهده الله فيه والعمل ينبني على ذلك، كما ينبني فعل الإنسان على وعيه المشكّل بالظرف التاريخي.

تصور ماركس عن التاريخ يعطي انطباعًا عن أنه إلهي، لكنّه بالطبع لا يقول ذلك، وإن كان ماركس قد قال إن: “الإنسان يشيّد التاريخ”، فهو أيضًا القائل عقب تلك الجملة: “دون أن يعرف ذلك”، بهذه الرؤية الجدلية التي يفهم بها ماركس دور الإنسان في التاريخ، إذ يعطيه دورًا في حركته (حركة التاريخ)، إلا أنه مقصور على ما يموضع فيه ضمن حركة التطور المادي الحتميّ، أو ضمن سياق القضاء والقدر كما يراه المتصوفة الذين قال بعضهم: “الفقير (أي الصوفي) لا يهمه ماضي وقته وآتيه، بل يهمه وقته الذي هو فيه”. المتصوفة أيضًا ينظرون بعين الجدل.

 

يقول البعض إن الماركسية أسقطت الإنسان الفرد من حساباتها وانتهت إلى نوع من الجبرية المادية. ربما، فماركس هو من قال إنّ الحرية هي فهم الضرورة، والضرورة في اللغة ما يتميز به الشيء من الوجوب، أو كما نفهم في التصوف أنها الموقف الذي أوقفنا الله فيه.

 

في النهاية، نحن لا نقول بتشابه مطلق بين الماركسية والتصوف، ولكننا وكما نضع في الاعتبار أن المنطلقات قد تكون مختلفة، فنحن أيضًا لا نتغاضى عن أنه – بشكلٍ أو بآخر- ثمّة تقارب في النتائج، وفي أحيانٍ – لا يمكن تغافلها- في المنهج، بخاصة إذا قلنا تقريرًا لا افتراضًا، إنه من الصعب بالنسبة لباحثٍ أو دارس للتصوف ومفاهيمه، أن يصل إلى المعنى الحقيقي الذي يقدمه المتصوفة، ويعنونه في مفاهيمهم ومجمل ما اصطلحوا عليه، دون أن يضع للمنطلق الجدليّ دورًا في اعتباره التفسيري. فكما قلنا، إن المتصوفة أيضًا ينظرون بعين الجدل، والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد