بزغ نجم الفيلسوف والاقتصادي الألماني كارل ماركس خلال عام الـ1840 ليطغى على زميله ومساعده الفيلسوف الألماني فردريك أنجلز، ولكنهما استطاعا معًا تطوير النظرية الماركسية، التي يتجّنب بعض الباحثين اعتبارها من ضمن نظريات العلاقات الدولية، ويكتفون باعتبارها نظرية اجتماعية أو اقتصادية.

ولكن الحق أنّ نظرية الماركسية كانت ذات تأثير عميق في العلاقات الدولية وأدبياتها، وعلى الرغم من اندثار المفاهيم الماركسية خاصّةً بعد ان ارتبطت بذكريات الاتحاد السوفيتي المقيتة، إلّا أن النظرية الماركسية قد قدمت الكثير في حقل العلاقات الدولية ولا سيّما في تطوير النظريات النقدية في العلاقات الدولّية، لذا سأحاول في هذا المقال المرور على مبادئ النظرية الأساسية وتبيان أهم مساهماتها في تطوير تلك المفاهيم.

بدايةً لا بد لنا من المرور على مفهوم المادّية التاريخية Historical Materialism، والذي يعتبر ماركس بموجبها أن الملكية الخاصة التي دافع عنها الرأسماليون الليبراليون قد أدت إلى تراكم وسائل الإنتاج بيد طبقة ضئيلة من الملاك، والذين أطلق عليهم اسم الطبقة البرجوازية، واعتبر أنهم قد تحالفوا عالميًا لاستعباد الطبقة الأكبر من البشر البروليتاريا، والتي تتكون من العمال الذين يبيعون جهدهم مقابل أجر زهيد، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون بمثابة عبوديّة مقنّعة.

حيث إن الرأسماليين لا يوفرون جهدًا في اضطهاد طبقة العمال وتوسيع الفجوة الماديّة من خلال مراكمتهم للثروة ، وزيادة حالة عدم المساواة من خلال جعل ظروف العمل أكثر صعوبة وهو الأمر الذي نشأ عن زيادة التخصص في العمل أو ما أُطلق عليه اسم Division of labour، بحيث تصبح مهام العامل أضيق من حيث المساحة، وأكثر تكرارًا، وهو الأمر الذي يجعله غير قادر على تنفيذ أي عمل مغاير لاختصاصه أو مهمته، وهذا أيضًا يمثل شكلًا آخر من أشكال العبودية، حيث يصبح العامل مثل الآلة.

كما ويعرف ماركس وأنجلز حالة من الصراع الطبقي القائم بين الطبقات البرجوازية القوميّة في كل دولة من الدول والتي تعمد إلى التحالف فيما بينها، وبين طبقة العمال العالمية والتي لن تكون قادرة على التحرر، إلا في حال إنشائها لتحالف عابر للحدود القومية تناضل بموجبه ضد أية طبقة برجوازية أينما وجدت.

ولم يكتف الماركسيون بانتقاد الطبقات الاجتماعية فقط، بل أنهم ذهبوا أبعد من ذلك ليشملوا الإمبراطوريات، حيث نجد أن لينين قد اعتبر أن الامبرالية وسباق الاستعمار هو أعلى درجة من درجات الرأسمالية والتي تقوم بموجبها الطبقات البرجازية المتحكمة بالامبراطوريات بجعل البروليتاريا في بلدانها أعلى درجة من البروليتاريا في البلدان المستعمرة لتضمن بذلك ولاءهم من خلال جعلهم يحققون بعض المكاسب الماديّة الضئيلة.

و على الرغم من أن الماركسية قد بدت جذّابةً لأنها تحدّت الهيمنة التي تفرضها المنهجية الأمريكية-البريطانية على بيئة العلاقات الدوليّة، إلا أنها أظهرت العديد من جوانب القصور في التنفيذ أولها هو تجاهلها لمفهوم توازن القوى والجيوبولتيك geopolitics، وهو الأمر الذي تناقض مع الممارسات التوسعية للاتحاد السوفيتي، والذي أظهر أنه لا يستطيع أن يخرج عن هذه القواعد في سبيل تنفيذ مشروعه المفترض.

أما عن وجه القصور الثاني فقد كان تجاهل ماركس لتأثير القومية، والذي جعل النظرية غير قادرة على استيعاب موجات التحرر القومية التي تتبع تفكك أي إمبراطورية كبرى بما في ذلك الاتحاد السوفيتي، حيث إن ماركس في إهماله للقومية قد أهمل النزعات التحررية القومية التي قادت نضالات الأقليات في العصر الحديث، ومن الغريب أن العديد من تلك الأقليات قد اتخذت من الماركسية منهجًا لها كي تساهم في الزيادة من مشروعيّة نضالها، ولكن الماركسية لم تستطع صهر تلك النزعات القومية ضمن بوتقتها.

وبالنسبة لوجه القصور الثالث فقد كان تجاهل الماركسية لمفهوم الحرب والمصالح القوميّة، وهو الأمر الذي دفع بأنصار الواقعية الجديدة وأهمهم والتز إلى إبراز العديد من التساؤلات حول قيام الحربين العالميتين اللتان تتنافيان مع تحالف البرجوازيين الذي افترضه ماركس، فإذا كانت البرجوازية الألمانية على وفاق مع البرجوازية البريطانية أو الفرنسية فما هو سبب اندلاع الحرب؟ هنا يتوجب الإشارة إلى أن بعض الماركسيين قد حاولوا الإجابة على هذه النقطة بأن الطبقات البرجوازية قد تمتلك مصالح وطنية ضيقة ومتضاربة ولهذا فإنها تعمل على حشد البروليتاريا باستخدام الذرائع القومية أو الدينية أحيانًا وجعلها تحارب لضمان مصالحها. إذًا فإن البروليتاريا في فرنسا تحارب البروليتاريا في ألمانيا بسبب تعارض مصالح البرجوازيين الفرنسيين مع البرجوازيين الألمان.

وعلى الرغم من تعدد أوجه القصور في النظرية الماركسية، إلّا أن لها الفضل في وضع حجر الأساس لمجموعة من المدارس النقدية في العلاقات الدولية، والتي ركزت على انتقاد النموذج الغربي، لتأتي أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتعيد التركيز على مفهوم انعدام المساواة بين الدول، والذي أشار إليه ماركس أولًا بوصفه المحرك الأساسي للعنف في المجتمع.

الماركسية: الهوية البروليتاريّة والعلاقات الدولية

على الرغم من أن الماركسية قد اتخذت من نموذج الإنتاج Production Paradigmمحددًا أساسيًا لها، إلّا أنها لم تغفل البعد العالمي لهذا النموذج حيث افترض ماركس أن امتلاك وسائل الإنتاج والتكنولوجيا كان هو الدافع الرئيس الذي دفع بالأفراد إلى الوقوع في فخ التخصص في العمل، والذي نشأ عنه مفهوم العمل مقابل أجر، حيث إن ملاك وسائل الإنتاج هم العدو الأول لحركات التحرر التي من شأنها أن تخلق الإنسان العالمي المتحرر.

إذًا فإن افتراض ماركس عن عالميّة الإنسان يفرض على الإنسان هويّة عليا يتخلى بموجبها عن هوياته القوميّة أو الإثنيّة أو الدينيّة. وأذكر تمامًا أني قد قرأت مثالًا طرحه أمين معلوف، في كتابه الهويات القاتلة، يشرح فيه كيف تغيرت هوية مواطني دول الاتحاد السوفيتي بعد انحلاله، حيث إن شخصًا من البوسنة والهرسك على سبيل المثال كان يعرف عن نفسه بوصفه بروليتاريًّا عالميًّا، ثم مواطنًّا في دولة يوغسلافيّا (نتيجة لجهود مشروع تيتو)، ثم مسلمًا (إذا ما افترضنا أنه كان مسلمًا ممن شهدوا الحرب البوسنية)، ثم مواطنًا بوسنيًّا بعد انتهاء الحرب الأهلية.

من هنا يمكننا فهم سبب رفض ماركس وأتباعه للأديان لأنها كما القوميات أو اي انتماءات جانبيّة قد تؤثر في هويّة الفرد المنتمي للبروليتاريا العالمية، حيث لا يجوز أن ينتمي الفرد لأي جماعة أخرى وإلًا فإنه سوف يعود ليقع في فخ البرجوازية التي يمكن أن تستعمل غطاءً قوميًّا أو دينيًّا لتجعل تحكمها بالبوليتاريا ذا شرعيّة. ومما لا شك فيه أن تأثير فلسفة هيجل لم تغب عن الماركسية، وخاصّة فيما يتعلق بفكرة الوعي بالذات، حيث شدد الماركسيون على أهمية أن تتمتع البروليتاريا بوعي لهويتها التي تحدد وجودها، ولكن الماركسيين قد رفضوا فكرة هيجل عن الدين ووصفوها بأنها جزء من الوعي المغلوط الذي ترسخ تاريخيًا لدى الجماهير البروليتاريّة لهذا فإن الماركسية قد قاطعت الكنيسة قطيعةٍ لا رجعة فيها، وهو الأمر الذي يمكن يمكن أن نعزوه إلى نظرة ماركس لدور الكنيسة في جعل الحروب مباركة، حيث إن ماركس وأتباعه قد رأوا في استخدام الدّين وسيلة أخرى للتحكم في البروليتاريا العالميّة وتغيير وعيها بذاتها وبهويتها المحددة.

أدرك ماركس حتمية العولمة بشكل مبكر، فهو وإن كان يمقت كلًا من الليبراليّة والرأسماليّة ، ولكنه قد فهم أن النموذج الإنتاجي الذي تتبعانه ذاهبٌ باتجاه العالميّة أو العولمة، لهذا نجد أن ماركس قد شدد على فكرة البروليتاريا العالمية التي لن تتوحد إلى في حالة واحدة وهي الثورة على البرجوازيين الوطنيين، ومن هنا يمكننا أن نقول إن ماركس هو فيلسوف كوزمابولتي cosmapolitan أو دولي وهو يشابه إيمانويل كانط في هذه النقطة ولكن نقطة خلافه الأهم مع كانط هي أن ماركس لم يؤمن أن البشرية يمكن أن تصل إلى التوافق على الحقائق الكونية باستخدام المنطق وحسب، بل على العكس اعتبر ماركس أن حرية الفرد لن تتم بمعزل عن النضال الدولي، كما أن ماركس قد اعتبر التجارة الحرة هي أحد مسببات الإمبريالية، وبالتالي فهي تقف في وجه تحرر الأفراد، وهو الأمر الذي يظهر صراحة في كتاب ماركس وأنجلز الأشهر بيان الحزب الشيوعي The Communist Manifesto.

أما بالنسبة لصراع البروليتاريا مع البرجوازية فليس من الممنوع أن يأخد شكلًا وطنيًا ولكن بشرط أن يصب في النهاية في نضال البروليتاريا العالمية، وبموجب هذا فإنّ الماركسيين قد دعموا حركات التحرر الوطنية، لكن مع التركيز على إبقائها مرتبطةً بنظيراتها العالميّة، وهي الاستجابة الأمثل للعولمة الرأسمالية.

رأى ماركس أن العلاقات بين الدول ذات أهمية ثانوية، إذا ما تمت مقارنتها بالعلاقات الطبقية ونموذج الإنتاج، وبهذا فقد أغفل ماركس كلًا من ظواهر الحرب، والجيوبولتيك، والقومية، وهذا ما جعل نظريته عاجزةً عن تفسير العديد من الأحداث التي شهدتها البيئة الدولية. وأجبر الماركسيين اللاحقين على مراجعة افتراضاتهم، خاصة وأن العديد من حركات التحرر القومية التي أسستها الأقليات حملت بين طياتها طابعًا أيديولوجيًا ماركسيًّا، كما أن ممارسات الاتحاد السوفيتي التي حادت عن الفلسفة الماركسيّة الأساسية في التطبيق قد أدت لانقسامات داخلية مع الماركسيين الغربيين والأستراليين.

من الماركسيّة إلى الإمبرياليّة والماركسية الجديدة

في انتقاد صريح لكل افتراضات النظريّة الليبرالية طور كل من فلاديمير لينين ونيكولاي بوخارين النظرية الإمبريالية معممين الصراع بين الطبقات إلى صراع بين الدول لتكون الدول الرأسمالية الإمبرياليةّ بمثابة الطبقة البرجوازيّة والدول الخاضعة لهيمنة الإستعمار بمثابة البرولياتريا. وبذلك فقد قدما مشروعًا يقترحان فيه أن السبيل الوحيد لتخليص الشعوب من ويلات الحرب هو التخلص من الحدود الدولية وتأسيس أسرة إشتراكية عالميّة، ومع أن لينين قد حاول استمالة الحركات القومية إلى صفه، لكنه أكد في أكثر من مناسبة أن السبيل الوحيد لتخليص الشعوب من الاضطهاد يمكن في اشتراكهم مع الطبقة البروليتاريّة العالمية، وهذا ما يفسر انضمام عدد كبير من يهود أوروبا الذين عانوا من الاضطهاد إلى صفوف الحركة الشيوعية في أيامها الأولى.

وفي أعقاب الحرب العالميّة الثانية ظهر تيار يسمى الماركسيون الجدد (Neo-Marxist) وركزوا على نظرية الاعتمادية Dependency Theory، والتي نصت على أن العلاقات الاقتصادية في ظل العولمة سوف تضر بالدول حديثة الاستقلال ولن تنقل التنميّة الصناعيّة إليها، بل على العكس سوف تبقيها فقيرة ومنهوبة من قبل الدول الصناعية الكبرى. لينتقل الماركسيون الجدد من نموذج الإنتاج إلى نموذج التجارة غير المتكافئة، وقد ظهر التيار الماركسي الجديد جذابًا للعديد من الدول حديثة الاستقلال بعد انتهاء حقبة الاستعمار، معظمها في أفريقيا والشرق الأوسط، وكان سبب رواجه هو بحث تلك الدول عن بديل للثقافة والقيم الغربية.

ما الذي قدمته الماركسيّة لحقل العلاقات الدولية؟

على الرغم من تعدد أوجه القصور في نظرية ماركس وأنجلز إلّا أن إسهاماتهما في حقل العلاقات الدولية كانت ذات تأثير كبير، خاصة في ظهور التيارات النقدية المختلفة في العلاقات الدولية.

لم تستطع الماركسية إثبات كفايتها تطبيقيًا، حيث أن الاتحاد السوفيتي لم يستطع أن يتجنّب العديد من الممارسات التي تنضوي تحت مدرسة الواقعيّة السياسية، مثل السعي وراء مراكمة القوة بغرض تحقيق الأمن والاستقرار الوجودي، كما أن مفهوم البروليتاريا الماركسي لم يستطع التغلب على الموجات القومية التي اجتاحت أوروبا الشرقية متحديّة الهيمنة السوفيتية.

لكن وبنفس الوقت فإن الماركسية الجديدة قد لفتت انتباه الباحثين إلى حالة عدم المساواة الموجودة في العالم، حيث بدأت التيارات النقدية باستخدام الافتراضات الماركسية من خلال استبدال نموذج الإنتاج الماركسي بنموذج الثقافة والتواصل، فافترض هؤلاء حالة عدم المساواة العالمية لا تشتمل فقط على الإنتاج، بل على الثقافة والمفاهيم، ولا يمكن أن ننكر فضل الماركسيين في هذا التقدم؛ حيث إن الفيلسوف الماركسي أنطونيو جرامشي كان من أوائل المنتقدين لحالة الهيمنة الغربية على العالم، ولم تشتمل حالة الهيمنة التي افترضها غرامشي على الوسائل المادية وحسب، إنما شملت الهيمنة الثقافية أيضًا ومنه تطور ما يعرف بتيار جرامشي الجديد.

استند التيار الجرامشي الجديد على نقطة الهيمنة الثقافية الغربية ليفترض منهجين أساسيين في معالجة القضايا الدوليّة هما منهج حل المشكلات (يعتمد على المفاهيم الواقعة تحت الهيمنة الغربية بصورة عامة) ومنهج النظرية النقدية (ينقد كل المفاهيم من جذورها بوصفها مفاهيمًا مغلوطة جاءت نتيجةً لهيمنة الثقافة الغربية)، ومنها تطورت النظرية النقدية أو ما يطلق عليه اليوم مدرسة فرانكفورت للعلاقات الدوليّة.

تطورت بعدها أهم المدارس النقدية في العلاقات الدولية معتمدةً على حالة عدم المساواة والهيمنة الغربية بشكل مماثل ومن هذه المدارس النسويّة Feminism، وما بعد الحداثة post modernism، وما بعد الاستعمار post colonialism وغيرها.

إذًا فإن الماركسية، وان كانت لا تصلح لأن تكون نظرية شمولية في العلاقات الدولية، إلا أنها وبلا شك من أهم الدلائل على فشل حقبة التنوير الأوروبي؛ لأنها برهنت على أن المفاهيم التنويرية ليست صحيحة بالمطلق كما يروج فلاسفتها، لهذا فقد وضع الماركسيون أولى اللبنات لما سمي بعصر ما بعد التنوير.

فإذا ما أردنا أن نختصر في نهاية هذا المقال أهم مساهمات ماركس وأنجلز، فيمكننا أن نقول إن مفهوم المادية التاريخية، والذي وصّف حالة الصراع الطبقي الذي سببته ملكية وسائل الانتاج، قد تطور ليشمل العمولمة الاقتصادية الرأسمالية والتي في أعلى درجاتها يمكن أن تؤدي إلى الإمبريالية الاستعمارية، كما أن مفهوم المادية التاريخية قد تطور مع الزمن ليصف حالة انعدام التكافؤ في التجارة الدولية، وانعدام التكافؤ في ظل الهيمنة الثقافية أو هيمنة الأفكار، وهو الأمر الذي تطور لاحقًا ليلهم التيارات النقديّة في حقل العلاقات الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد