الماركسية مذهباً خامساً في الإسلام ؟ (٣-٣)

عندما نتوجه بنظرة تحليلية إلى أنماط الاقتصاد والإنتاج في الإسلام نجده ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، مرحلة النبوة والخلافة الراشدة، ثم الإمبراطوريات الأموية، والعباسية، والعثمانية، ثم سقوط الخلافة، وبربطها بنظام الحكم بمعنى الشورى واختيار الشعب ثم التوريث والحاكم المتغلب بالقوة، ثم مرحلة الاستقلال والدولة القومية التي نعيشها حاليًا.

كما أوضحنا في مقالات سابقة أن الماركسية تهدف إلى إنهاء الطبقية، وامتلاك الشعب لوسائل الإنتاج والفرص في العمل بشكل متساوٍ ومتكافئ، وأن ماركس استند إلى حتمية التاريخ التي تقضي بنهاية الرأسمالية كما انتهي الإقطاع، وبعدها تعود الموارد ملكًا لجميع الناس كما كانت في البداية قبل ظهور الإقطاع، فهل الإسلام بطبيعته دين رأسمالي أو إقطاعي ويتنافي مع مبادئ الاشتراكية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؟

الإجابة ستكون بحسب الفترة التاريخية التي ستحكم من خلالها؛ ففترة الإمبراطورية كانت بدون أدنى شك حقبة إقطاعية، ثم تلتها الرأسمالية، مثل كل دول العالم باستثناء بعض المحاولات والتجارب غير المكتملة، عن طريق أنطمة قومية واشتراكية، وأحزاب ماركسية وشيوعية، باختلاف توجهاتهم. مما يوجهنا لسؤال آخر: كيف بدأ الإقطاع في الإسلام؟وهل نمط الإنتاج الإقطاعي أو الرأسمالي من بعده، مرتبط بنصوص الإسلام الثابتة؟ أم أنه صناعة بشرية قام بها الحكام على أسس عسكرية ودينية، واستغلوا تلك الموارد لتثبيت الملك؟

بالنظر إلى الآيات القرآنية لا نجد ما يدل على وجود نظام اقتصادي أو نمط إنتاجي مرتبط بالإسلام، وإنما نجد نصائح ووصايا ضد الاحتكار والفساد وأكل أموال الناس بالباطل، فالتشريع لم يتدخل في هكذا قضايا، وتركها للاجتهاد البشري ليساير المسلمون الحركة الفكرية العالمية، ويستفيدوا منها ويسهموا فيها، بل على العكس نجد الكثير من الأدلة في الأحاديث والمرويات وأفعال المسلمين الأوائل في حرمة المال العام، وذم الغنى وتكديس الأموال، وتحريم الاحتكار.

ما فعله المسلمون الأوائل من عدم مراكمة الثروة، وكثرة التبرع بالأموال لصالح بيت مال المسلمين، ولم يكن الاهتمام بجمع الأموال وتوظيفها حتى انتهى عهد الحكم بالشورى واختيار الشعب، وأصبح الحكم بالتوريث منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، أول ملوك بني أمية، ومن بعده ابنه يزيد، في مخالفة واضحة للنهج النبوي والأمر القرآني بالشورى، وابتداع مما أدى إلى تأخر وتخلف الأمة، وتحولها إلى طبقات، وهكذا بدأ الإقطاع في الإسلام، والأخطر والأسوأ من ذلك الفتاوى الدينية التي جاءت لتبرير القتل والقمع والطغيان، ووضعت المؤرخين في حيرة شديدة عن سبب الفتوحات والتوسعات، هل كان لنشر الدين كما كان في عهد النبوة والخلافة الراشدة، أم كان لجمع الأموال وتوسيع الإمبراطورية كما كان بعد ذلك؟

ويدعم تلك النظرة حالة البذخ والترف الشديدة للطبقة الحاكمة، هكذا صار الغني والفقير بالتوريث، في حين أن الله، عز وجل، عندما ابتلى الناس بالغنى والفقر مثل الحاكم الظالم، ليس لكي يرضوا ويخضعوا ويخنعوا، بل ليختبرهم ويبتليهم من سيغير ويرفض الظلم والفساد والاستبعاد والاستبداد، ومن سيرضى ومن سيسعى لتحسين المجتمع والدول والتغيير، ومن سيعاون الظلم في سرقة أموال الناس بالباطل.

الأدلة والآثار في التراث الإسلامي جاءت في اتجاه تقليل الثروة وإنهاء النظام الطبقي العنصري القائم في الجاهلية، سواء عند العرب أو غيرهم؛ فأكثر المسلمين الأوائل كانوا فقراء، ولم يكونوا من أصحاب السطوة والنفوذ، وحتى القلة من الأغنياء لم يتميزوا بأموالهم ولا بمناصبهم ولا أنسابهم، حتى انتهى العمل بالشورى وبدأ التوريث ومعه الإقطاع والمناصب العليا.

في العهد النبوي كانت الأموال توزع وتقسم بالتساوي بين الناس، وكان النبي ينفق على أصحابه الفقراء من أهل الصفة، ويعطي الأعراب القادمين من الصحراء، وكذلك الأنصار، حيث كان الأشعريون إحدى قبائل المدينة، يجمعون كل أموالهم ويقتسمونها بينهم بالتساوي، فالمال لم يكن مركزيًّا ولا متركزًا في يد السلطة؛ فالمال مال الله لكل الناس، وهذا هو الهدف من الزكاة، أن تذوب فوارق الطبقات مع الزمن، وتنتهي مثلما انهار نظام العبيد الرقيق، ولنا في قصة عمر بعد فتح العراق عندما نصحه الإمام علي بن أبي طالب بأن لا يقسم الأرض المفتوحة على الجيش، ويتركها نفعًا عامًا للناس؛ ليتجنب أكبر عملية إقطاع في تاريخ المسلمين، مرورًا بقصة الرجل والثوب في المسجد، وإصرار الناس على مساءلة الحاكم، فهو إن كان حاكمًا فمهمته إدارة شؤونها والقيام عليها، وليس هناك ما يجعله متميزًا عنهم. ومن قبله كان أبو بكر الصديق يعمل ويأخذ أجرًا وينفق منه على أهله.

ومن أسباب سخط المسلمين واعتراضهم على سياسة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، تخصيصه لأقاربه بالمناصب والأموال دون غيرهم، والإمام علي مات فقيرًا ليس له أموال ولا لأهله، ولم يأخذوا أي مناصب أو مميزات استثنائية عن باقي الشعب، وبعد ذلك انقلبت الأمور كما هو معروف للجميع، وأصبح للحاكم الحق في الأموال، يعطي ويوزع كما يشاء بدون حساب؛ فصار مال الدولة هو مال الحاكم، ومال الحاكم هو مال الدولة.

وبالنظر إلى الحالة اليوتوبية في الإسلام عهد عمر بن عبد العزيز، حيث كان الحاكم لا يملك من المال شيئًا، وكان فقيرًا مثل باقي الناس، وأعاد الأموال إلى بيت المال، فصارت لكل الشعب حتى اغتنى الناس جميعًا، ولم يعد هناك فقير ولا محتاج؛ لأنه لم يعد هناك سادة وعبيد، بل إخوة وأشقاء متكافئون.

أما ما نعيشه الآن من تراجع وتخلف وتأخر، وانسحاق أمام الهيمنة الغربية الاقتصادية والثقافية، تحت وطأة رأس المال فأنسب طريق لمواجهتها ونقل تلك الشعوب العربية والإسلامية هو الانعتاق من السيطرة الرأسمالية التي تمثل الاستعمار في ثوبه الجديد، فتلك السيطرة والهيمنة ليست اقتصادية، فقط بل سياسية أيضًا؛ فرأس المال يأتي للسلطة بمن يحافظ عليه لينمو ويزيد، ويترك الملايين في جهل وفقر ومرض، ويحرمهم من الفرص والتكافؤ بينهم، وتستطيع الاتجاهات والآراء التقدمية التي تتخذ الفكر الماركسي على اختلافها وتنوعها، كخلفية ثقافية وفلسفية، أن تحدث نقلة نوعية على مختلف المستويات في مجتمعاتنا، يستطيع كل مجتمع أن يحددها كبرنامج عمل واستراتيجية في النواحي الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية.

ومن أهداف الماركسية، التضامن بين الشعوب عبر طبقاتها المقهورة؛ مما يحقق نوعًا من الوحدة بين شعوبنا، ليس فقط في المنطقة، بل يمتد إلى كل المستضعفين والمحاصرين في الدول الأخرى، من أوروبا الشرقية إلى أمريكا اللاتينية. وبالنظر إلى الأهداف المنشودة من تطوير وتحديث الخطاب الديني، فإن الخطاب لا يتطور إلا بفكر جديد، فكر تقدمي يحمل ويتضمن مفاهيم الحداثة؛ لنتخلص من عقلية القرون الوسطى، مستبدلًا بمفاهيم القبلية والطائفية والمذهبية والعنصرية والرجعية، مفاهيم التقدم والحداثة والمواطنة والعدالة والمساواة.

ولا يوجد ما يمنع من أن يتخذ الفرد فكرًا أو فلسفة مثل الماركسية أو غيرها، ويحافظ ويحتفظ باعتقاده الديني، ما دام لا يتعارض مع العلم، ولا يحرض على العنف ويساهم في الصراع الطبقي، ويسعي لوضع حلول للمشكلات الاجتماعية بأسلوب علمي أخذت به الشعوب الأخرى قبلنا، وحققت نهضة وتنمية. فالدين، وإن كان علاقة خاصة بين الإنسان وبين الله، فإن مهمته في إطاره العام تحسين حالة الناس وحل مشكلاتهم، ولا يوجد أي مبرر لعدم الأخذ بكل وسائل التطور والأفكار التقدمية الحداثية، مما سينتج لنا تجارب وأفكارًا يتميز بها كل مجتمع عن الآخر في تطبيقها، بحسب مشكلاته واحتياجه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد