(١-٣)

عرفت الشعوب العربية والإسلامية عبر تاريخها الطويل من 1400 عام، وقبل ذلك بامتدادها الحضاري الكبير، تيارات سياسية وفكرية مختلفة ومتضادة، كان أغلبها مراحل صراع بين تلك الأفكار والرؤى؛ مما انعكس على واقعنا المعاصر وبالأخص منطقة الشرق الأوسط.

عاشت المنطقة وشعوبها حالة من تديين السياسة وتسييس الدين يحركها الاقتصاد والمؤثرات المادية، وكان عامل الحسم فيها القوى العسكرية، ويخدم تلك العوامل السياسية السلطوية المتنوعة الثقافة والعلم والأدب، ويدعمها القائمون على ذلك بلا استثناء من أي دين أو مذهب أو طائفة أو جماعة.

أكبر المؤثرات التي ترسخت في تلك المنطقة وانطبعت بها شعوبها كان الدين الإسلامي واللغة العربية؛ ولذلك فإن دراسة أي تغير لتلك الشعوب بمعزل عن محيطها وثقافتها وخلفيتها الحضارية العربية الإسلامية غير واقعي وغير دقيق، وما يترتب عليه من نتائج يشوبها كثير من الخلل.

وبالرغم مما تقدم عن خصائص شعوب منطقتنا، فإنها ليست بمعزل عن دائرة الإنتاج الفكري والثقافي والاجتماعي الإنساني، تأثيرًا وتأثرًا، فالفكر الإنساني مترابط ومتراكم، وإن كان هذا التأثير والتأثر يتغير بمدى قوة الأمم على المستوى الحضاري والمشروع النهضوي، والمنطقة حاليًا تعيش طورًا من أطوار التأثر الشديد لغياب مشروع فكري يجمع شعوبها التي تعاني حالة ضعف وتفكك، فتلك الشعوب المستهلكة للبضائع الغربية استهلكت الأفكار الخارجية في المقام الأول.

الفلسفة هي أصل الحكمة وأصل العلوم الإنسانية كلها، ومن أكثر الفلاسفة المؤثرين في الساحة الدولية في القرن الماضيين كان كارل ماركس، الفيلسوف الألماني الذي أحدثت أفكاره زلزالًا لا تزال أصدؤاه تتردد حتى الآن، وستستمر لفترة طويلة قادمة في جميع أنحاء العالم.

وكما حدث في جميع أنحاء العالم، تأثرت الشعوب والأحزاب والجماعات بنظريات ماركس، وان اختلفت التطبيقات على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. واختلف استقبال شعوب المنطقة للماركسية حكامًا ومحكومين، في السلطة والمعارضة والمراكز البحثية والعلمية والجامعات والإعلام والفن والاقتصاد بالطبع؛ فكان لا بد من قياس الماركسية بالنسبة إلى التراث العربي والإسلامي، مما أحدث تفاعلًا ضخمًا ونتائج متباينة، بين مؤيد ومعارض، عن علم أو عن جهل، فالماركسية فرضت نفسها واقعًا فكريًّا يجب التعامل مع معطياته، ليس في منطقتنا فقط بل في العالم أجمع.

المصادر الأربعة للتشريع الإسلامي هم على الترتيب القرآن والسنة والإجماع والقياس. وشرط صحة الاستناد إلى الثلاثة ما بعد القرآن عدم التعارض بينهم، لأن القرآن وحده مقطوع بصحته والباقي ظني لأنهم ليسوا وحيًا، وعند المسلمين الأوائل كانت الحياة أبسط، في مجتمعات لم تتشكل بعد وتصطبغ بصبغة الإسلام دينًا ولغة وحضارة، فلهذا لم يكن من دور كبير للعقل، وكان المعلوم من الدين بالضرورة يشكل النسبة العظمى من مكونات الإسلام الأربعة التي أشرنا إليها سلفًا، ومع التوسعات وتدفق الأموال من البلدان المفتوحة وانفتاح المسلمين على حضارات وتراث الأمم العريقة وأفكارها وفي القلب منها الفلسفة، كان لا بد من مواكبة هذه التغيرات. وأفرزت الظروف بابًا أوسع للعقل، مع بقاء النص في الصدارة مقدمًا على العقل، ثم صار العقل وسيلة لفهم النص للتوفيق بينه وبين الواقع، ومع فتح باب الاجتهاد لاستيعاب تلك الأفكار الوافدة والمتدفقة تشكلت مفاهيم مثل فقه الواقع وفقه النوازل، وهي الأحداث الجديدة النازلة بالأمة، وبالتأكيد يعتبر تعامل وتلقي العرب والمسلمين لفكر ماركس من هذه النوازل والمستجدات والأمور المستحدثة التي تتطلب تعاملًا خاصًّا وفهمًا عميقًا وتحليلًا دقيقًا لاستيعابها ودراستها، وما يترتب على ذلك من تحديد الموقف منها على أساس ديني وتراثي واقتصادي وسياسي واجتماعي.

وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد