إن الفلسفة في ذاتها ضرب من الحمق؛ إن لم تكن لك مسامير دماغية حتمًا ستجن، فعمق أسئلتها يجعل دماغك غير مستعد لتقبل غياب الإجابات؛ مما يعني تلفًا وشيكًا قد يصيب خلايا دماغك، وبهذا كانت أمهات الكتب الفلسفية مليئة بالفلسفة، أما اليوم فلم يعد هؤلاء الباحثون سوى ببغاوات يرددون تضحية الفلاسفة بعقولهم مقابل أن ينعم هؤلاء باسترجاع عظمتهم وأفكارهم التي ميزتهم وميزت تاريخهم.

فتراهم يوظفون تلك الفلسفة دون أن تكون أدمغتهم مصدرًا للفلسفة، ويصبحون مقلدين يبحثون في ثنايا جنون السابقين زلاتهم، ويدرسونهم كمن يبكي الأطلال ضمورها، ويشفي من غليل النواح أبهته الأكاديمية ليستطرد في المناقشات والندوات تعبيراتهم ونظرتهم لأشكال الحياة على أن ما يفعله يستحق التنويه والعبقرية، إن الباحث الحقيقي اليوم ليس هو الأكاديمي الشاحب الوجه الذي يرسم ندبة لعينيه بكثرة قراءته وإطلاعه أو المهندم بزي ترحيل العروس والناظم لقوافي الكتابة المسماة: رصينة، والثابت على دلو الحفار الأوائل لبئر المعرفة.

إن الباحث اليوم هو من يستطيع أن يحفر البئر دون الرجوع لحفار البئر المجاورة، أو ربما قد يحفر معنى أو مسلكًا لا أعرف كيف أسميه، لكنه معنى يوصلك إلى المياه (المعرفة هنا)، إنه ذلك الشخص الذي لديه القدرة على أن يخلق وسيلة جديدة للحفر ليس لمثلها شيء وليس كسابقتها كما أنها ليست ذات نفس تراكم الآخر للحفار الأوائل، إنها بئر بمواصفات باحث يجهل كل شيء ينقب بطريقته عن طريقه، وينهجه ليدعوه اللاحقون منهجًا.

هذا هو الباحث الحقيقي يرى في بئر الحفار الأوائل بئرًا للمعرفة. نعم، لكنها بئر دانية سهلة فكل من يملك ذلك الدلو الذي يسمى خصائص البحث العلمي الأكاديمي بآلياته ولغته الرصينة والسليمة ولغاته الأجنبية ومناهجه، يسقي زراعته بماء الزراع الأوائل ليصبح مجرد تابع لزراعتهم، وعلى هذه الوتيرة يجب أن تنهج لكي يعترف بك في المجتمع الأكاديمي، وكم ستكون عظيمًا لو تكتشف طريقة أخرى للاغتراف من ذلك الدلو وذاك البئر، فلو فعلت لأصبحت المتيم بحبهم ولسرت شيخًا للمريدين من بعدهم في زاويتهم «الأكاديمية».

إن الباحث اليوم ليس ذلك المنهجي أو اللغوي الضابط لقواعد الكتابة التي تواضع عليها المنظرون أو اللغويون أو اللسنيون من المؤسسين والآباء الأوائل إلى التابعين؛ بل هو ذلك الذي يملك القدرة على أن ينتج إنتاجًا من عدم ويبني هيكلًا له، إنه ذلك الذي يستطيع أن يقول وليس كما قالوا فيمنع عنه الاستلاب ليركن إلى جانبهم وليس تابعهم، يفسر ويحلل بعيدًا عن القيم وتقاليد المجتمع الأكاديمي البابوي، الذي ينبذ التقليد لكنه أبو المقلدين وكبيرهم الذي علمهم السحر، فكم هم غرباء هؤلاء المستلبون يشجبون التقليد والماضي والرجوع والاستبداد، ويعتدون بثوريتهم وتحررهم وثقافتهم، ويعتبرون أنفسهم منبعًا للتقدم والوعي والثورة والإبداع، على الأقل كما يرون أنفسهم أو كما يخدعون البعض.

لكنهم في نظر التأمل العميق وفلسفة الفلسفة هم مهملون يكبلون وعي الثورة والإبداع لا شعوريًّا لعجزهم عن التغيير قابعين في تلك البنية الساكنة كما ترى البنيوية، ولا يحللون خارج إطارها لأن فهمهم لا يتجاوز أدمغتهم، وإن فعلها فلا يلمس قلعتهم، ولحدود خيالاتهم التي رسمتها الحياة لهم يسعون لمساطر بيروقراطية تراتبية لا يمكنك أن تصبح بدونها باحثًا، وإن أصبحت بها لن تعد إلا قسيسًا في كنيستهم.

ولعل هذه الازدواجية وهذا الارتباك الذي يحصل للفهم، هو نفسه الذي حصل للماركسيين الذي فشلوا فشلًا في فهم الماركسية، فكما قال المفكر الفلسطيني سلامة كيلا: أن ما حصل للماركسية أنها أصبحت تتنافى مع منهجها في التحليل الجدلي المادي الذي ينطلق من الواقع لتصبح أيديولوجية مغلقة عن الواقع سابحة في الفكر، فعادت للفكر عوض أن تنطلق من الواقع لتحلله، والذي هو واقع متغير فالقرن 18 الميلادي ليس هو 20 ولا هو 21. وهذا هو التغير بعينه: لا نبكي الأطلال ولا نشجب المعاني لرداءة اللغة المعبر بها، وإنما نأخذه رغم احتياجاته لنصنع منه الواقع والحكم على المعنى وليس على اللغة، فكما قال أحدهم: تحدث بأي لغة شئت لكن المهم من هذا هو أن أفهم ماذا تريد أن تقول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, أكاديميا, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد