تاريخ كفاح لجنة العمال بأرامكو

شهدت المنطقة الشرقية من السعودية في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات سلسلة من الإضرابات التي تشير إلى ظهور قوى اجتماعية جديدة تلعب فيها الطبقة العاملة الفتية دورًا كبيرًا من أجل تحقيق مطالبها داخل شركة «أرامكو»، متخذة من الاتجاه الماركسي مبدأ لها تحاول من خلاله نيل حقوقها المهضومة.

فهل نجحت في تغيير عجلة الإقتصاد التي تتحكم في تسييرها الشركة بصورة غير منصفة؟ وإلى أي مدى حققت أهدافها النظرية على أرض الواقع؟

في مشهد موجع يحمل مظاهر المعيشة المتردية، يتراءى لك في خيام كمساكن لا تقي عن البرد ولا عن لهيب فصل الصيف، تحيط بها كثبان رملية ويقبعها عمال يعملون بالأجر اليومي لمدة ثماني ساعات حيث يتقاضى العامل ثلاثة ريالات يوميًا تعطى له كل نصف شهر مع الحرمان الكامل من حق المطالبة بالإجازات السنوية أو حق العلاج، وفي منتصف يوم الخميس من كل أسبوع يرحلون إلى مدنهم وبلدانهم بالمنطقة الشرقية في عربات طول الواحدة حوالي 20 مترًا.

هذا الوضع المزري يقابله المشهد النقيض لخواجات الأمريكان الذين ينعمون بالخيرات، بدءًا من رواتبهم الخيالية حينذاك وإجازة لشهرين سنويًا، ومستشفى ضخم ومتكامل التخصصات والأجهزة الطبية الحديثة، مع تخصيص بلدة سير ستاف كمنطقة ترفيه مميزة بقصور فخمة مفروشة بأغلى الفرش وأثمن الأثاث يتوسطها 20 مترًا مربعًا من الأرض المنبسطة الخضراء وبركة للسباحة.

هذه مختصر الحياة العملية في شركة أرامكو في الأربعينات، والتي كانت لا تستطيع الاعتماد على العمالة العربية نظرًا لجهل العديد منهم بالقراءة والكتابة، لذا أنشأت الشركة العديد من أماكن التعليم، يدرّس فيها أفراد من سوريا، لبنان، فلسطين. وجد المدرسون في الشباب السعودي تربة خصبة لبث الكثير من الأفكار بجانب تعليم الأبجدية، فزرعوا فيهم أيديولوجيات نمّت وعي العمال وطوّرته إلى أن أفرزت العقول المناهضة التي رفعت ألوية المعارضة وطالبت بتكوين لجنة لتمثيل العمال والمطالبة بحقوقهم، حيث قاموا بعقد اجتماع عام لهم في الظهران وانتخبوا من بينهم سبعة أشخاص كلجنة عليا وأطلقوا عليهم اسم (لجنة العمال)، وكانت تمثل 6500 عامل، ومهمة هذه اللجنة هو الاتصال بكل من الشركة والحكومة وتقديم مطالبهم.

وبالنظر لتاريخ الأعضاء السبعة (عبد العزيز السّنيد، صالح سعد الزيد، إبراهيم الفرج، عبد الله على الغانم، عبد الرحمن البهيجان، عمر وزنة، وعبد الله صفَيّان) نستطيع القول إن قائدهم عبد العزيز السّنيد هو كارل ماركس في نسخة عربية تأبى الانهزام.

بعد فترة قامت اللجنة بطبع وتوزيع البيانات على العمال في كل مناطق الشركة، كي تخبرهم بنبأ تكوين اللجنة ولتطلب منهم الالتفاف حولها، واستطاعت هكذا أن تكسب تأييد العمال لها وثقتهم فيها، بحيث ألهبت مشاعرهم وفتقت لديهم أحاسيس النضال وكان نجاحها كبيرًا.

استمرت المفاوضات لمدة أسبوعين استطاع العمال فيها اقناع اللجنة الحكومية بأحقية مطالبهم، وكادت الأمور أن تصل إلى نهاية يرضاها العمال في تلك المرحلة وأن تصبح لجنتهم معترفًا بها رسميًا ولكن لم يكن من الهين على مدراء شركة أرامكو قبول ذلك؛ لأنهم خبروا الحركات العمالية في بلادهم وعرفوا كيف استطاعت النقابات هناك أن تجبر أعتى الشركات على الخضوع لمطالب عمالها.

كانت الشركة بين نارين: أن تقف موقف المتفرج، العاجز، المستسلم لقدره وتصبح تحت رحمة العمال، يفرضون عليها ما يشاؤون، أما النار الثانية: كانت لا تريد أن تظهر رفضها لمطالب العمال منذ الوهلة الأولى، فهي تدرك أن في مطالبهم الكثير من الحقائق والأحقية وعندها ستبدو في نظر الدولة والعمال معًا مجرد شركة متعنتة وظالمة ومستغلة لجهود العمال وعرقهم وتعبهم، وعندها قد تتحد الدولة مع العمال وتصبح هي الخاسرة.

وما كان منها إلا أن تلجأ إلى الدس بين العمال والحكومة، فأوحت للحكومة أن العمال يبطنون أكثر مما يظهر على السطح من مطالب لهم، وأن هدفهم الأبعد قد يكون أكثر من مجرد قضايا العمل والعمال، وأن حركتهم قد تتطور وتمتد إلى قضايا البلاد السياسية وغيرها.

وفعلًا نجح المدراء الأمريكان باستفزاز بعض العمال النشطاء، حتى أخذوا منهم تصريحات تتضمن تهديد بحرق مصافي النفط. وفي عصر يوم الخميس 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1953 استدعت اللجنة المفاوضة كل أعضاء اللجنة العمالية، للحضور لديها في مقر اجتماعها في مطار الظهران، فذهبوا وانتهى بهم الأمر مكبلين بالأغلال.

انتشر خبر اعتقال اللجنة بسرعة، فقام عدد من العمال المعدين لذلك بإحاطة جميع زملائهم بخبر الاعتقال واتفقوا بالإضراب على العمل، وفي صباح يوم الجمعة قام عدد كبير من العمال بالصعود على التلال والمرتفعات المطلة على الشارع الرئيس، وصاروا يرشقون بالحجارة سيارات الأمريكان، بينما توجه عدد آخر من العمال لمدن المنطقة وقراها لإحاطة العمال الذين ذهبوا إلى أهاليهم منذ صباح عصر الخميس بنبأ اعتقال اللجنة، طلبوا منهم البقاء في مدنهم ومساكنهم وعدم العودة للعمل تنفيذًا لتوجيهات اللجنة وتعليماتها، هكذا خططت اللجنة في حال تم الاعتقال وهكذا اشتعلت شرارة الإضراب لـ13 ألف مضرب في كل مناطق الإنتاج بالظهران وراس تنورة، بحيث تناقلت وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية أخبار الإضراب، وصارت تذيعه بأدق تفاصيله.

اضطرت الحكومة للتدخل والاستجابة لحزمة من مطالب العمال وتم تدارك الأمر بالعفو عن المسجونين، وأدخلت أرامكو اصلاحات اقتصادية دون أن ينال العمال بالمقابل الحق في التنظيم النقابي.

وفي عام 1956 زار الملك سعود المنطقة الشرقية فاستقبله العمال بمظاهرة حاشدة ومطالب سياسية بحتة، خطب فيها ناصر السعيد خطبته التاريخية: (هل تجشمتم مصاعب الطرقات الوعرة، بقصد الدعاية لنفسك أم بقصد الترفيه؟ إذ ليس في مئات المدن والقرى والصحاري التي مررتم بها إلا الفقراء الذين رأيتهم يمدون أيديهم ضارعين من الفقر والمرض والجهل اللعين…).

فاستشاط الملك سعود غضبًا وأمر باعتقال قيادات العمال، وأصدر مرسومًا ملكيًا في 11 يونيو (حزيران) 1956يجرم الإضراب ويعاقب القائمين عليه بالسجن.

ولعل على رأس الأسباب التي أدت إلى اضمحلال العمل السياسي والنقابي والمطلبي، هو ارتفاع عائدات النفط في أوائل السبعينات، ما مكن النظام القائم من توسيع قاعدة المستفيدين من ريوعه إلى حد كبير.

وتعتبر الإضرابات العمالية عام 1956 آخر وأهم حراك على درجة عالية من التنظيم كما يذكر علي العوامي في مذكراته التي نشرت بعد وفاته، لعدة أسباب أهمها قمع السلطة التي كانت بالمرصاد لكل حراك جاد، والقضاء على المفاصل الاجتماعية المهمة التي تنمي الذهن الإصلاحي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد