لم يدخل الإسلام السودان مثل أي بلد آخر: فقد واجه المسلمين من أهل النوبة في أقصى الشمال السوداني ( مملكة المقرة ) مقاومة شرسة استنزفت قواهم، ورغم ذلك واصل الجيش الإسلامي زحفه حتى وصل إلى مدينة دنقلا عاصمة مملكة المقرة، وضربوا عليها الحصار.

 

وفي ليلة عيد الميلاد 652م توصل المسلمون مع النوبة في شمال السودان على اتفاقية صلح، عرفت باسم اتفاقية البقط، أهم بنودها السماح للمسلمين بالتجارة مع النوبة وإنهاء الحصار ووقف القتال، وألا يمنعوا المسلمين من الصلاة في مسجد دنقلا، كما يجب على النوبيين أن يعملوا على نظافة المسجد هناك وإضاءته، وعدم الاعتداء على المسلمين الذين يصلّون فيه.

 

وفي نظير ذلك تعهد المسلمون بتقديم بعض الأقمشة للنوبة، كما وافقوا على إعطائهم 1,300 أردب من القمح، ومثلها من الشعير واستمرت هذه الاتفاقية قائمة بين حكام مصر المسلمين وأهل النوبة النصارى، و كل مرة يحصل خلاف فيتقاتلون مع حكام مصر ثم يرجعون إلى نفس الاتفاقية.

 

حتى جاء إلى أرض السودان رجل مبارك زيلعي من أهل اليمن يقال له: غلام الله بن عايد فنجح فيما فشلت فيه جيوش المسلمين، وأحدث اختراقا كبيرا للمجتمع، وأنشأ خلوة لتعليم القرآن وأمور الدين وتزوج امرأة من أهل البلد فأنجب منها ذرية هي عماد قبيلة الركابية والمهم لقد كان غلام الله بن عايد رجلا متصوفا مباركا، فتحكي لنا مراجع التاريخ أنه كان اسمه أحمد بن عايد، وأن اسم غلام الله يعود إلى أنه وهو صغير اشتعلت النار في المنزل فهرعت أمه لإنقاذه فمنعها والده وقال لو كان ولدي لا تأكله النار، ووجد عند انطفائها يلعب دون أن تمسه النار فأطلق عليه الغلام المجمر الذي لا تأكله النار .
كان مجتمع السودان الشمالي يعاني من فراغ روحي كبير بسبب إهمال الكنيسة القبطية لرعايها في السودان و امتناعها عن إرسال الأساقفة الى السودان فأهملت الكنائس النوبية وهجرت.

 

و يحكي قسيس برتغالي يسمى ” الفاروز ” زار بلاد النوبة في القرن الرابع عشر الميلادي عن الحالة التي وجدها في شمال السودان قائلا: (إن أولئك الناس يجهلون دينهم، فلا هم بمسيحيين، ولا هم بمسلمين، ولا هم باليهود، يقال إنهم كانوا نصارى، لكنهم بالتأكيد فقدوا دينهم، ولم تبق لهم عقيدة، لكنهم يأملون أن يكونوا مسيحيين صالحين) وبينما كان المجتمع النوبي النصراني على هذا التفكك حدث توحد بين القبائل العربية و قبائل أفريقية تحت زعامة عمارة دنقس فزحفوا إلى عاصمة مملكة علوة النصرانية في سوبا وأسقطوها وتشكلت لأول مرة دولة عربية إسلامية في السودان.

 

ومر الزمن حتى درست معالم النصرانية في كامل الشمال السوداني، بل طمست معالم اللغة النوبية فسادت عليها العربية.

 

وفي هذه اللحظة التاريخية قدمت هجرات من متصوفة وزهاد من مختلف العالم الاسلامي، فدخلت الطريقة القادرية أولا، فكانت طريقة المجاهد صلاح الدين الأيوبي، ودخل من بعدها الطريقة السمانية من الحجاز، ومن ثم دخلت الشاذلية من جهة ليبيا، ثم دخلت الطريقة التيجانية من جهة دارفور، وأخيرا كانت الطريقة الختمية التي دخلت من الحجاز، وهي الطريقة النقشبندية ذاتها مع بعض التجديد الذي جاء به الشيخ محمد عثمان الميرغني الكبير.

 

وتزامن دخولها مع اجتياح جيش محمد علي باشا للسودان في 1821م، فكانت الطريقة المرضية عنها من الحكومة، لذلك انتشرت انتشار النار في الهشيم حتى غطت أكثر السودان.

 

و لما كان للتصوف هذه الشعبية  تحالفت معه الحكومة المصرية فكان له دور كبير في تخدير عواطف الشعب، وحثه على طاعة حكومة الطاغية محمد علي باشا، و دفع الضرائب في موعدها، وفي إحدى زوايا الطريقة  السمانية عند الشيخ محمد شريف نور الدائم  كان يدرس طالب علم شرعي يسمى بمحمد أحمد الدنقلاوي، وفي أثناء دراسته و ملازمته لشيخه أقام الشيخ حفل ختان لولده وكان في حفل الختان بذخ كبير، فرفضه واعترض فتم طرده من الطريقة السمانية، فحاول أن يأخذ الطريقة من شيخ آخر هو القرشي ولد الزين فلزمه إلى أن مات، ثم أقام له قبة على قبره.

 

و في أثناء بنائه للقبة جاء إليه رجل يسمى عبد الله التعايشي، فأخبره أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام وقال له: بلغ محمد أحمد عبد الله الدنقلاوي، أنه المهدي المنتظر، فتلطف معه في الجواب وأسر في قلبه أنه هو المهدي، حتى إذا ما خرج إلى منطقة النيل الأبيض في الجزيرة أبا بدأ في تبليغ الناس أنه المهدي الذي بعث ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا.

 

فالتف حوله الناس و كل ساخط على الحكم التركي ثم خرج فقاتل القوات الحكومية فطردها من كردفان أولا ثم وسط السودان ثم زحف إلى الخرطوم فدخلها في 26 يناير 1885م و قتل الحاكم الانجليزي تشارليس غوردون و كان من أول قرارته منع الطرق الصوفية التي منعت الناس من الجهاد في سبيل الله و خدرت الشعب بالاتجاه للمواعظ والآثار، ثم توفي محمد أحمد المهدي فخلفه من بعده عبدالله التعايشي صديقه صاحب الرؤية، فزحف إلى مناطق شمال وشرق وغرب وجنوب، حتى استولى على كامل الأراضي السودانية باستثناء سواكن.

 

و اضطهد الطرق الصوفية الذين حقدوا عليه وتجمعوا في مصر حتى كانت حملة اللورد كتشنر التي شارك فيها علي الميرغني شيخ الطريقة الختمية فكان يدخل المدن والقرى قبل دخول الانجليز ويطلب من الناس عدم المقاومة حتى وصل الجيش الانجليزي إلى أم درمان.

 

فكانت معركة كرري الخالدة التي انتصر فيها الجيش الانجليزي بعد جهد جهيد و بعد استخدام الرشاشات التي كانت سلاحا محرما دوليا ضد من يقاتل بالفؤوس والسيوف ودخلوا أم درمان وفجروا قبة المهدي ونبشوا قبره وسرقوا جمجمته و عظامه فأخذوها معهم إلى انكلترا.

 

ولما كان للتصوف دور كبير في قبول الناس بالحكم الانجليزي ساهم الانجليز في نشره، بل استطاعوا اختراق الأنصار من جماعة المهدي فحولوهم من حركة ثورية إلى طريقة صوفية يرتلون الأدعية والأذكار ويقرءون القرآن، و لما عرف الانجليز أن للتصوف هذه المكانة العميقة في المجتمع السوداني وظفوا الصراع بين اتباع الطريقة الختمية الصوفية بزعامة الشيخ علي الميرغني مع اتباع المهدي من الأنصار بزعامة عبد الرحمن المهدي، فخلقوا استقطابا اجتماعيا مخيفا.

 

ثم قاموا بعمل خبيث لإنشاء الطائفية السياسية، فأقاموا مدينة الخرطوم بحري على النيل الأزرق، وجعلوها مركزا للختمية في مقابل مدينة أم درمان عاصمة المهدية السياسية ثم جعلوا بينهما الخرطوم العاصمة ( مثلما فعلوا في العراق العاصمة بغداد تحيط بها الكاظمية شيعية إمامها الأعظمية السنية ).

 

و كان الانقسام الاجتماعي الكبير فتنادى الختمية بوجوب الوحدة تحت التاج المصري، وأسسوا حزب الاتحادي الديمقراطي وتنادى الأنصار اتباع المهدي بوجوب الاستقلال من بريطانيا ومصر وأسسوا حزب الأمة و في عام 1955م ، فاز الختمية بالانتخابات واختير إسماعيل الازهري حفيد إسماعيل الولي مؤسس الطريقة الإسماعيلية كرئيس للوزراء وعوضا عن الوحدة مع مصر اختاروا الاستقلال في يناير 1956م .

 

و بعد فترة انهارت حكومته بسبب انشقاق الحزب الاتحادي الديمقراطي، وغضب الختمية على ممثليهم في الحكومة و البرلمان بعد 7 أشهر من الاستقلال فانشق الحزب الاتحادي إلى جناح ليبرالي وإلى جناح يساري ويا للعجب انضم الختمية إلى الجناح اليساري قربة لعبد الناصر وزلفى فكان زعيم حزبهم الشيخ علي عبد الرحمن الشيخ الأحمر المتصوف والقاضي الشرعي مؤسس لحزب الشعب الديمقراطي والذي خاطب في مؤتمر الأحزاب الشيوعية في هافانا بالجبة و القفطان وتحالف مع الحزب الشيوعي ضد حزب الامة الذين كان شديد التحالف مع بريطانيا ضد مصر الناصرية.

 

وفي تلك اللحظة ظهر تنظيم جديد في الساحة السياسية، ألا وهو الحزب الشيوعي السوداني الذي ظهر كمعارض لنظام إبراهيم عبود العسكري؛ ليخطف الأبصار من الختمية والأنصار الذين أيدوا انقلاب الجيش في 17 نوفمبر 1958م فتحرك الشيوعيون كنقيض للعسكر الذين يمثلهم إبراهيم عبود، وكنقيض للحكم الديني الذي كان يمثله حزبا الأمة، والاتحادي الطائفيين، فامتلكوا زمام الشارع واستطاعوا السيطرة على اتحادات الجامعات وعلى النقابات.

 

وحسب قوانين التاريخ ولد النقيض للحزب الشيوعي فظهر الإخوان المسلمون الذين دخلوا في صراع مع الشيوعيين في النقابات وفي الجامعات وفي أوج صراع الإخوان والشيوعيين ولدت ثورة أكتوبر المباركة، عندما تحركت الجماهير لتقتلع نظام إبراهيم عبود العسكري، فهتف الناس يسقط حكم العسكر، يسقط حكم العسكر، إلى الثكنات يا حشرات، إلى الثكنات يا حشرات!

 

وبعد أشهر من الضغط الجماهيري استطاع الشعب إسقاط العسكر، وسلم العسكر السلطة للشعب فكانت انتخابات 1965م و التي تحالف فيها الإخوان مع السلفيين مع الصوفية تحت لافتة جبهة الميثاق الاسلامي ضد الشيوعية واستطاعوا الحصول على مقاعد، والدخول إلى البرلمان لمناكفة الأحزاب الطائفية والشيوعيين و في عام 1968م في ندوة في دار المعلمين تحدث كادر للحزب الشيوعي بكلام لا يليق بمقام الرسول عليه الصلاة و السلام فاستغل الإخوان تلك الفرصة، و حركوا الشارع في مظاهرات نصرة للنبي انتهت إلى إصدار البرلمان قانونا بحل الحزب الشيوعي.

 

فاستقال رئيس المجلس الأعلى للقضاء احتجاجا على القانون، وتم حظر الحزب الشيوعي، ومنعه من العمل، وملاحقة الشيوعيين بوصفهم كفرة، وفي تلك اللحظة قرر الشيوعيون الانتقام من الجميع فدبروا انقلابا في 25 مايو 1969م بقيادة جعفر نميري الذي قام بالتنكيل بكل من شارك في حل الحزب الشيوعي، وعلى رأسهم الإخوان والأحزاب الطائفية فكانت مجزرة الجزيرة أبا 1970م ومجزرة ود نوباوي اللتين راح ضحيتهما عشرات الآلاف بالقصف بالطائرات الحربية المصرية والسودانية، والتي حظيت بدعم اليسار عموما و الشيوعيين خصوصا، لأنها استهدفت الإخوان المسلمين وأنصار المهدية.

 

ولأن التغيير الانقلابي ينتهي كالعادة بصراع بين الانقلابيين تصارع الشيوعيون مع جعفر نميري، حتى أنهم استطاعوا القيام بانقلاب ناجح في 19 يوليو 1971م و سيطروا على جميع مفاصل الدولة واعتقلوا نميري.

 

لكنهم تسرعوا بإعلان أن الانقلاب شيوعي فتحركت ضدهم جماهير شعبية مع وحدات من الجيش، و لم يستطيعوا الصمود أكثر من 3 أيام، وهنا طويت صفحة الماركسية اللينينية السودانية للأبد، فقد فقدوا كل احترام بتأييدهم انقلاب الجيش في 1969م والمجازر في 1970م، ومن ثم انقلابهم في 1971م، وهكذا تم إخلاء الساحة السودانية ليتصارع فيها الإسلام السياسي مع الطائفية .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد