«سيدى .. سيدى القبطان مُورهاوس .. شيء لا يُصدق .. السفينة بلا قُبطان أو بَحارة، وكل شيء فيها سليم تمامًا!»

لم يُصدق القبطان مُورهاوس كلمات أحد بَحارته، دِيفيو، الغريبة عن السفينة «ماري سليست»، سفينة صديقه القبطان بنيامين بريدج .. لأنه يعلم جيدًاً أن صديقه القبطان رجل خبير بالبحار والسفن، وعاقل، ولن يترك سفينته تمخر عُباب المحيط هكذا بلا قائد أو بَحارة.

قال القبطان مُورهاوس للبَحار ديفيو بجدية بعد أن فكر مليًا: حسنًا سأبعث لها ببحارة آخرين .. ليتأكدوا.

بعث القبطان مُورهاوس نَفرًا من بحارته إلى سفينة ماري سليست؛ ليتأكدوا من صدق كلام دِيفيو، وذهبوا إليها عن طريق قوارب سفينته: ديا كراتيا.

صعد البحارة إلى السفينة ماري سليست؛ فوجدوا المضخات كلها سليمة، ما عدا اثنتين مفقودتين، ولم يعثروا على أي بشري فيها، وقارب الإنقاذ الوحيد للسفينة مُختف أيضًا!

وفي قُمرة القيادة، كانت البوصلة مُحطمة، والساعة مُتوقفة، وأوراق السفينة كلها مُختفية، ما عدا دفتر يوميات القُبطان، الذي يُدون فيه ملاحظاته، وكانت آخر ملاحظاته يعود تاريخها إلى 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 1872 .. أي قبل عشرة أيام من اكتشاف هؤلاء البحارة لهذه السفينة، وكان مُعظم الأدوات الملاحية التي يستعملها القبطان في تحديد موقعه قد اختفت!

ترك البحارة قُمرة القبطان وذهبوا إلى باقى أجزاء السفين؛ فوجدوا غرف السفينة بحالة جيدة، كما أن ملابس البَحارة مرتبة ومُعلقة، وليس بها أي تمزق، وأغراضهم الشخصية كما هي لم تُسرق.

وفي المخزن الرئيس للسفينة، وجدوا حمولة الكحول سليمة أيضًا، ولم تُسرق، وعندما ذهبوا للجزء الخلفي من السفينة؛ وجدوا حبلًا قويًا كان قد تم ربطه بإحكام في جزئها الخلفي، وحبلًا آخر متدليًا في مياه المحيط خلف ذلك الحبل القوي يسبح كالغريق في المياه.

لم يجد البحارة أي أثر للخدش في هيكل السفينة، أو أي أثر للدماء، أو بارود مدافع ضُربت بها، لم يجدوا إلا أنها سليمة تمامًا من تعرضها للقرصنة.

استغرق البحارة في تفتيشهم السفينة ساعتين؛ ليعودوا بعدها إلى القبطان مُورهاوس، ويخبروه بصدق ما قاله دِيفيو في أول استطلاع عن السفينة السائرة بغير هُدى في المحيط.

قصة هذه السفينة الشراعية الضخمة: ماري سليست تعود إلى عام 1861، حيث تم بناؤها بكندا، وحمولتها تصل إلى 282 طن، وكانت من السفن ذات الهيئة الجميلة والنادرة في زمانها، وسجلتها البحرية الكندية ضمن سفنها التجارية.

كانت هذه السفينة منذ بدء إقلاعها قد لازمتها الأحداث الغريبة والمنحوسة، فخلال أول رحلة لها تحت قيادة القبطان روبرت ماكلاي ابن مالك السفينة، لفظ ذلك القبطان الذي لا يشكو من أي مرض أنفاسه الأخيرة؛ نتيجة إصابته بمرض ذات الرئة .. وفي رحلتها عبر المحيط الأطلسى اصطدمت بسفينة إنجليزية، وفي إحدى رحلاتها بأمريكا الجنوبية ضلت عن مسارها، وذهبت لمسار آخر؛ نتيجة رياح شديدة أصابتها، وفي عام 1868 بيعت لرجل أعمال أمريكي، وكأن هذا الرجل قد أصابه النحس فيها؛ فباعها إلى القبطان الأمريكي الذى هو مَصدر قصتنا بنيامين بريدج.

وبدأت القصة في يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1872، عندما قرر القبطان بنيامين بريدج الإبحار بها من نيويورك بغرض التجارة إلى إيطاليا.

كانت تجارة القبطان – المُفترض بيعها في إيطاليا – هي حمولة 1701 برميل من الكحول، وكان طاقمها يتألف من القبطان وزوجته سارة وابنته صوفيا، ومساعد القبطان، وأربعة بحارة ألمانيين، ودانماركي، وطباخ أمريكي. ولا يُعلم ماذا حدث لهؤلاء البشر في مياه البحيط، وأين ذهبوا .. ولماذا تركوا السفينة على حالها السليم ورحلوا إلى غير عودة؟

أبحر القبطان مُورهاوس المذكور في بداية القصة بسفينته دي كراتيا، بعد شهر كامل من إبحار ماري سليست، أي يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) عام 1872، وكانت وجهته هي أوروبا .. وعندما أصبح على بعد 400 ميل من البرتغال لمح سفينة ماري سليست تسير على غير هدى في مياه المحيط. لم يكن مورهاوس يعرف أنها سفينة ماري سليست في البداية، لذا قرب الرؤية بمنظاره مُعتقدًا أن طاقمها يواجه مشكلة ما .. لكنه لم يجد بها أي شيء يدل على أنها تحوي بشرًا.

أمر القبطان بحارته بالاقتراب بشكل يسمح له بالرؤية أكثر عن قرب بمنظاره، وعندما نظر إليها وجد أنها سفينة ماري سليست التي من المُفترض أنها الآن في تجارتها في إيطاليا. وبعث لها بحارته، وحدث ما حدث، وما ذُكر في بداية المقال.

أمر القبطان مُورهاوس بحارته باصطحاب ماري سليست إلى مُستعمرة جبل طارق الإنجليزية .. وهناك قامت الحكومة الإنجليزية بعمل لجنة لتقصي الحقائق حول طاقم السفينة والسفينة نفسها .. فوجدوا السفينة بحالة جيدة، دون الركاب، فأخطروا الحكومة البريطانية بهذا الأمر .. كما أن أمريكا علمت بأن رعاياها هم طاقم السفينة؛ فبعثت برقيات لدول العالم للبحث عن ركاب السفينة .. فلم يجدوا لهم أثرًا.

افترضت كل الافتراضات بشأن اختفاء هؤلاء الركاب، منها اختطافهم من الكائنات الفضائية، أو آكلي لحوم البشر، أو أن تلك خُدعة من القبطان مورهاوس هو وبحارته بأنهم قتلوا ركابها، ثم أبلغوا عنها لينقذوها، وليأخذوا جائزة إنقاذها من الحكومة البريطانية، أو أن هناك تمردًا حدث في السفينة، فقتلوا القبطان وزوجته وابنته، ثم هرب البحارة.

وبعد شهور من الحادثة مات والد مالكها، فباعها إلى قبطان آخر، ثم باعها الآخر إلى آخر، وظلت تباع أكثر من مرة، حتى انتهت إلى قبطان حاول إغراقها فلم تغرق .. فتركها، وتركتها الدولة، إلى أن مرت عليها السنوات فتفسخت في مياه المحيط، تاركة مئات الألغاز وراءها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد