يقول «فولتير» عن اليهود:

إن هذا الشعب اللئيم المخرف الجاهل العاطل عن الإبداع الفكري، كان يزدري أكثر الأمم حضارة، إنهم أحقر شعوب الأرض، قطاع طرق ممقوتون مخرفون همجيون، منحطون في الفقر، وقحون في الغنى، إذا كتب لهم الظفر فتكوا بالمغلوبين، وبطشوا بالنساء والأطفال في نشوة جنونية، وإن كتبت عليهم الهزيمة تجدهم في مذلة مشينة، ومهانة مزرية.

دخلت مسيرة العودة الكبرى للأراضي الفلسطينية المحتلة أسبوعها السابع، وعلى الرغم من التضحيات غير المحدودة، التي قدمها الشعب الفلسطيني في نضاله اليومي ضد الإرهاب الصهيوني، في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة، وعلى الرغم من ضآلة الدعم الذي يلقاه الفلسطينيون من الأنظمة العربية، والقوى السياسية العربية، ففي الآونة الأخيرة بدأت بعض الأنظمة العربية تُطبّع مع الكيان الصهيوني الغاشم.

فالمسيرة الشعبية الفلسطينية ليست فقط تأكيدًا لرفض سياسة الأمر الواقع، التي يمثلها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، ولم تكن عملية احتجاجية على أساليب القهر، والتعسف، والتضييق، والتنكيل التي تستخدمها قوات الاحتلال ضد أبناء الشعب الفلسطيني فحسب، ولا هي كذلك مجرد صرخة في وجه التواطؤ الدولي، وتخلي المؤسسات العالمية عن مسئولياتها.

إنما كانت بالدرجة الأولى، تعبيرًا عن رفض السياسات العربية المناورة، والمضللة، والاستسلامية التي أسفرت عن المزيد من التنازلات، والمزيد من التراجع أمام العدو، والمزيد من التشرذم، والتجزئة، وتقديم المصالح الذاتية على المصالح الوطنية والقومية.

لقد أكدت الأنظمة العربية الحاكمة بصورة واضحة تخليها الكامل عن مسئولياتها تجاه القضية الفلسطينية، واعتبارها قضية ليست في قائمة أولوياتها، والذي يحز في النفس أكثر؛ هو تآمرهم ضد الشعوب العربية بإجهاض معظم ثورات الربيع العربي، وسعيهم إلى تطبيق خطة النظام الإمبريالي، الذي يريد رسم خريطة جديدة للوطن العربي، في منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وأيضًا تريد هذه الأنظمة العربية تكريس الهيمنة الأمريكية والصهيونية، على الوطن العربي والإسلامي الجريح، وارتضت مجموعة من الأنظمة العربية سياسة «كامب ديفيد» الأمريكية –أسلوبًا وهدفًا–؛ الأمر الذي شجّع العدو الصهيوني على زيادة تعنته، وأدى إلى تراجع القضية الفلسطينية خطوات بعيدة إلى الوراء.

إزاء هذا الوضع لم يكن أمام الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة سوى التصدي لسلطة الاحتلال؛ بإبداع أشكال جديدة في المواجهة -مسيرة العودة الكبرى- والتي تعكس عدالة هذه القضية، وقوة وعزيمة الفلسطينيين، فكانت لهذه المسيرة الجماهيرية المباركة دورًا مهمًا في خلق دينامكية جديدة، وأعادت للموضوع الفلسطيني مكانته الحقيقة –دوليًّا وعربيًّا– وعلى مستوى المواجهة مع العدو الصهيوني.

نتج عن مسيرة العودة الكبرى؛ نتائج سياسية، ونفسية كبيرة على المجتمع الصهيوني الغاصب، وأدت إلى خلخلت نظرية الأمن الإسرائيلي، فكانت تؤسس لعالم جديد، على قاعدة أن العدالة كانت ولا تزال وسوف تبقى المبرر الرئيسي للثورات.

في الأخير يمكن القول:

إن مسيرة العودة الكبرى ليست حربًا بدبابات وطائرات، لكنها بكل تأكيد، حرب استنزاف مريرة وطويلة للكيان الصهيوني الظالم.

فتحيةً لكل الواقفين على ثغور العزة في زمن الذل، الرافضين للظلم والاستبداد والفساد، وتحيةً للشعب الفلسطيني الذي يواجه العدوانية الصهيونية وحيدًا، بعد تشديد الحصار عليه من مختلف الجهات، وتحيةً لكل الأحرار من الوطن العربي والإسلامي والعالمي الذين يرفضون الظلم والعدوان، وتحيةً لكل يهودي إنسان لا ينحاز إلى فكر الصهاينة الشوفيني، وينحاز إلى القضايا العادلة والمشروعة، وتحيةً لكل مواطن عربي يرفض الاستسلام في الصراع المصيري، الذي تخوضه الأمة العربية إلى الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك