كل من يتأمل التاريخ سيجد أن هناك قصة مكررة وهي أن جيل الأجداد يكد ويتعب في البناء ثم يأتي جيل الآباء ويستكمل البناء ويُطوره ثم يأتي جيل الأحفاد ويُضيِع كل ما سبق. لا تتكرر هذه القصة على مستوى الأفراد فقط بل على مستوى الدول والأُسر الحاكمة، فقط تأملوا التاريخ!

تصلح هذه القصة كمدخل لمناقشة قضية مبنى ماسبيرو أو اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري والذي تم إنشاؤه بإرادة حديدية في عهد الزعيم جمال عبد الناصر وفي مدة قياسية وبميزانية متواضعة وهي 108 ألفا من الجنيهات وبدء إرساله في 21 يوليو (تموز) 1960 وتمت تسميته بماسبيرو لوقوعه في الشارع الذي يحمل اسم عالم الآثار المصريه الفرنسي الأصل جاستون ماسبيرو وهو أول رئيس لهيئة الآثار المصرية، وأصبح هو أول تليفزيون حكومي في الوطن العربي والشرق الأوسط وإفريقيا.

بمرور الوقت أصبح هذه المبنى جزءا لا يتجزأ من تاريخ مصر والوطن العربي، وشاركت شاشاته في صنع نجومية وأسطورة الكثيرين وأصبح الظهور على شاشته حلم الجميع من المحيط إلى الخليج، وتكونت لديه أكبر مكتبة مرئية في الشرق الأوسط، واستطاع قطاع إنتاجه أن يوحّد الشعوب العربية عند عرض إنتاجه الدرامي، فكم من مرة سمعنا من أقارب لنا كانوا يعملون بالخليج أن الشوارع هناك كانت تخلو من المارة عند عرض دُرر الإنتاج الدرامي المصري مثل الشهد والدموع وليالي الحلمية، كذلك لجأت إلى شاشته أجهزة هامة ولها في نفوس المصريين الكثير من الاحترام والحب كجهاز المخابرات العامة الذي أمد بعض كُتابه بالكثير من ملفاته والتي صنعت بعضا من أساطيره الدرامية مثل رأفت الهجان لتقوية الشعور بالناتماء. استطاع قطاع إنتاجه كذلك أن يستقطب نجومًا من طراز رفيع مثل عمر الشريف وعادل إمام وفاتن حمامة في أعمال لا تزال تقطر فنا خالصا.

كان العمل به حتى نهاية الألفية حلما يراود كل خريجي اللغات والإعلام وكانت كل أُسر الطبقة الوسطى العليا في مصر تتسابق على تعيين أبنائها للعمل به، وحتى بداية الألفية كان هو مدرسة الإعلام الأولى في الوطن العربى وتكونت لدية كوادر إعلامية من طراز فريد تسابقت للفوز بها فيما بعد كل الكيانات الإعلامية المصرية والعربية الخاصة. ورغم انحياز المبنى دوما لخيارات وسياسات الجالس على عرش البلاد إلا أنه استطاع تقديم خدمة إخبارية وتثقيفية وفنية وترفيهية جيدة في مجملها. من خلال شاشته شاهدنا السينما الأمريكية واستمتعنا بحوارات لكبار الأدباء وأدمن الكثيرون حوارات الشعرواي ولم تخش الأسر على أبنائها من ألفاظ أو مشاهد تخدش منظومة الحياء والقيم. كذلك حمل على عاتقه من خلال معهده تكوين وتدريب عدد غير قليل من الكوادر الإعلامية العربية والإفريقية.

ولكن بالطبع لم يشذ المبنى العريق القابع على نيل ماسبيرو من آفه حكم مبارك وهي سياسة التوظيف الحكومي التي فتحت أبواب التعيين على الغارب كنوع من المكافأة لكل المرضي عنهم من النظام، ولكن هذه الآفة لم ينج منها جهاز حكومي واحد في مصر أثناء حكم الرئيس مبارك، فلماذا يركز البعض على عدد العاملين في ماسبيرو فقط؟ أليس في هذا التركيز مدعاه للتفكير في أن هناك أهدافا أخرى ورائه ليس منها الصالح العام كما يدعون؟ أليس من حقنا أن نتعامل مع تلك الحملات التي تقودها بعض الأبواق التي لم تكن ترقى للظهور على شاشة ماسبيرو في عهدها الذهبي على أنها حصان طروادة للانقضاض على المبنى لصالح كيانات أخرى؟

ليس من الحكمة إنكار أن هناك عمالة زائدة أو متضحمة بالمبنى ولكن ليس من العدل أن تُدلس بعض الأبواق الأعلامية على الشعب وتتحدث عن أرقام غير دقيقة عن عدد العمالة وكيف أنها تقترب من رقم 43 ألفا في حين أن العدد الحقيقى لا يزيد الآن على 23 ألفا، وهذه العدد يشمل عدد الموظفين بالمبنى العريق وكذلك القنوات الإقليمية ومراكز البث التي تُغطي الجمهورية، هذا العدد أيضا مُرشح للنُقصان بقوة في السنوات القليلة القادمة لأن الشريحة العمرية الأكثر به هي لمن اقتربوا من سن المعاش وذلك لأن باب التعيين مُغلق منذ بدايه الثورة وعلى حد قول عصام الأمير الرئيس السابق لاتحاد الإذاعة والتيلفزيون فسيصل عدد العاملين بالاتحاد إلى 25 ألفا بحلول 2020.

قضية ديون ماسبيرو تعد حصان طروادة آخر في مسلسل الهدم، الديون المتراكمة وصلت بفوائدها لرقم مخيف وهو 24 مليار جنية من أصل 8 مليار، التدليس الذي تمارسه بعض الأبواق التى أشك في صدق نواياها هو تصوير الأمر على أن هذا الرقم تم صرفه في شكل مرتبات ومكافات للعاملين وهذا غير صحيح بالمرة، فحال العاملين به لا يخفى على أحد. قصة هذه الديون تعود لبناء مصر مدينة الإنتاج الإعلامي واستدانة الحكومة من بنك الاستثمار القومي بضمان ممتلكات اتحاد الإذاعة والتليفزيون والمتمثلة في الكثير من الأراضي التي لم يتم استغلالها. وبالتالي يجب إسقاط هذه الديون والتي يعود جزء كبير منها لخدمات قدمها المبنى للوزرات المختلفة على مدار 50 عاما دون أن يتقاضى عنها شيئا، أو أن تتولى الحكومة تسويتها بشكل أو بآخر لأنه سيكون من الخطأ الكبير تحميلها للهيئة الوطنية للإعلام التى سَترث ماسبيرو وفقا للدستور الجديد والتي صدر التشريع الخاص بها حديثا من مجلس النواب المصري.

لقد عانت كل الدول التي شاركت مصر تجربة الدولة المسيطرة على كل شيء في انتقالها الى الديمقراطية من وراثة مؤسسات ضخمة ومترهلة ومديونة ولكن لم يكن الحل أبدا في إعدامها والقضاء عليها، بل تمثل الحل في تطويرها والاستفادة من قدراتها الكامنة فما بالنا والحال يتمثل في مبنى يهيمن على كل التاريخ المصري المرئي والمسموع لمده نصف قرن ولا يزال مليئا بالكفاءات التي نعلم جميعا أنها أدرات وأنجحت كيانات إعلامية عربية كثيرة. الأمر لا يحتاج سوى لإرداة سياسية مع إدراة منضبطة وضخ القليل من الأموال ولكن في موضعها مع الكثير من الإيمان بأن إعلام الشعب هو فعلا أمن قومي لأنه يغطي موضوعات لن يتطرق لها الاعلام الخاص الذي لا يلهث سوى وراء الربح ومن أجله يُمكن أن يُهيل التراب على كل منظومة القيم. ولنا في منظومة البي بي سي البريطانية خير مِثال، فهي هيئة تمولها الخرينة البريطانية وتُحاسب أمام مجلس العموم البريطاني ولا تهدف للربح ومع ذلك متطورة وقادرة على الوصول لكل أرجاء المعمورة، إذا إعلام الشعب أو الإعلام الوطني لا غنى عنه بل وقادر على المنافسة، فقط ادعموه. وشخصيا أخشى أن يكون تخلي الدولة عن دعم الإعلام الوطني مقدمة لتخليها عن مؤسسات وطنية أخرى يمكن أن تمثل حصنا للبسطاء من توغل كل ما هو خاص ولكن لهذا الأمر مقام آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

فى قضية ماسبيرو لدى أقوال أخرى.
عرض التعليقات
تحميل المزيد