سأل أحدهم تُرى ما الذي في هذه الحياة الدنيا من مجون؟! فرد عليه الآخر قائلًا: هي اسمٌ على مسمى. يكثر فيها الامتعاض من اللاشيء والتفاخر باللاشيء، أما من يليق به الترفع فوق كل دنيء خسيس فهو في الدرك الأسفل منها ، أمن على نفسه وما يملك من وعثاء البشر وكآبة الأنفس والمجون الجماعي المميت.

هي دنيا، أي سفلى، وكل من دب عليها اكتسب منها شيئًا فبعضهم أعمى بل هو أضل، والبعض الآخر حريص على ألا يقال فيه ما لم يكن. فاتخذ منها زاوية ينطوي بها على نفسه آمنًا مطمئنًا غير جزوع. وكم فيها من مجون يا فلان. وكم فيها من غرابة مزعجة ومن احتكارٍ بذيء. وكم فيها من دناوة أنفسٍ وتغير أحوالٍ وانحطاط لم تره عينٌ قط. وكلما حاولت ألا توقع نفسك فيها وتختلط كليًا بها كلما عاندتك أكثر وصفعتك أكثر وامتصت رغبتك في عيشها أكثر فأكثر ، فلا إن أردت المكوث فيها بسلامٍ ساعدتك ولا إن شاحنتها رحمَتك.

ولتعلم أن الخير فيها مساوٍ للشرور تمامًا. فلا يزيد مقدار على الآخر ولا تتكاثر الخيرات تباعًا إلا بعد الشرور وتذوق المر العلقم الذي يمزق جسدك تباعًا ويأكل منك شيئًا فشيئًا. أما إذا رغبت في الاستقامة فيها فالفجور والعصيان كثيرٌ كثير، يضربك من كل حدبٍ وصوب، والذكي من يُحسن النجاة والغبي كل الغباء المعروف وغير المعروف من أطاع ذاك الفجور ومشى به.

ستقابل فيها أناسًا يدلوك على الصلاح وأناسًا يدلونك على الفلاح والفرق كبير. أما الشرائح الأخريات من البشر فهم أناسٌ سيوجهونك للخطأ المعلن بغية تسوية أوضاعك كما أوضاعهم وإحاطتك بمثل ما أحاطوا به أنفسهم بل أكثر. وهناك من سيدلك على المراوغة فلا أنت خيّر كفاية لتقنع ولا أنت شرير كفاية فتطمع، فتراوغ فيما بين يديك علّك تقطف من كل جزءٍ من الحياة شيئًا فتغدو خليطًا من جنون واتزان وهبلٍ ومكرٍ وعقلٍ في نفس بشرية واحدة.

أما إذا ما تطرقنا إلى الحديث عن فئة المستهلِكين، فهم من أشرس الناس وأعتاهم، يستنفذون ما فيك من جمادٍ وسكون وحركة وشغف لتحقيق مصالح ذاتية، وإذا واجهتم بماذا أنا وماذا عني فمن بعدهم الطوفان هو جوابهم المُعلن الصريح.

وهناك من أراد النجاة على حساب الآخرين، فاستغل جهودًا وسرق أفكارًا وكذب بمشاعر وأحاسيس وخان عهودًا بشرية ومحى آثار شغف قلبية واستولى على هذا وذاك وصعد فصعد فصعد إلى أن داس بكلتا قدميه ويديه على من وما كان سببًا في صعوده، ويا حبذا لو تعلم حقيقة الانهيار السحيق الذي سيودي به إلى أدنى من الدرك الأدنى في الحياة.

وهناك الشهوات، وما أدراك ما هي. نارٌ حامية تلسع فتحرق فترسم ندبًا طول مدة العيش. من تعرض لنفحة منها فقد أُوذي ومن تعرض لبعضٍ منها فقد خاب ومن أعطاها كله فقد خسر وما للخاسرين من رجوع ربحي أبدًا. تمتصك شهواتها لتختبر قدرتك على التماسك وإمكانياتك في المواجهة. ولتعلم أنه حتى وإن نجحت في اجتياز شهواتها وخرجت منها رابحًا نفسك وقلبك وعقلك فإنها لا تعمي عينيها عنك، فالخسارة تجر الخسارة، وربح قضية يجر وراه قضايا أخرى فإما أن تكون دومًا من الرابحين أو تسقط عند أول خسارة فتسجل تحت بند الخاسرين. الخاسرون الذي خسروا أنفسهم وأعمالهم وحيواتهم واستقامتهم فلا ينفعوا بشيء ولشيء.

ولا تصدق من يضع لك قواعد حياتية في أمور الحب والعمل وأخريات، فالقواعد تزيد الأمر تعقيدًا وتزيد تشويش فكر المرء إذا ما خاضها. الأهم نفسك والقواعد التي تضعها أنت لتعيش حياتك أنت بطريقتك أنت وشعورك أنت.

وطالما أنك تخرج معافى القلب والعقل من كل شهوةٍ وموجة مجونٍ وصفعة فجورٍ وانحطاط، فأنت بذلك أمنت على كلك من السقوط وعلى روحك من العطش وعلى دينك من التفلت وعلى نفسك من الأمر بالسوء.

وأخيرًا فإن الحياة دنيا تجري مقتضياتها بدنوٍ غير مسبوق وعبطٍ غير متعارف عليه. والفالح فينا من تفادى المجون الجماعي والذي هو صيحة هذا العصر اللعين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!