كان الحصول على المال ونهب الثروات هو السبب الرئيس في معظم الحروب والنزاعات التي حدثت في التاريخ، ومازال إلى الآن هو السبب «الخفي» وراء كل ما يحدث من خراب ودمار في منطقتنا العربية، إن ما يحدث الآن ما هو إلا نتيجه طبيعيه لاستراتيجية الدمار وإعادة الإعمار، استراتيجيه ترى في إراقة الدماء فرصًا عظيمة للاستثمار، استراتيجية ترى في الحروب الأهلية سوقًا رائجة لبيع الأسلحة وربح المليارات، استراتيجية ترى في قصف وتدمير المستشفيات والمباني السكنية والجسور والمدارس ومحطات الكهرباء  مشاريع مستقبلية واعدة! هذه الاستراتيجية التي تقف خلفها الدول الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات، وبمساعده المؤسسات الدولية التي يسيطرون عليها كالأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي.

في كتابها «عقيده الصدمه» تقول «ناعومي كلاين»: إنها عندما ذهبت لحضور الموتمر الثاني لإعاده إعمار العراق وجدت أنه عبارة عن خصخصة للاقتصاد العراقي، أو بمعنى آخر بيع للعراق في المزاد العلني، وعندما تساءلت عن ردود فعل العراقيين حول ما يحدث الآن في المؤتمر بهدف خصخصة اقتصادهم، أخبرها أحد الحضور أن كل ما يشغل العراقيين الآن هو البقاء على قيد الحياة!

وعندما قالت: إن استغلال ساحة الحرب لإقحام جدول اقتصادي وسياسي، يعتبر عملًا غير أخلاقي رد عليها أحد المندوبين وقال لها بالحرف الواحد: إن الوقت الأفضل للاستثمار هو حين يكون الدم لا يزال على الأرض».

دخلت أمريكا وبريطانيا العراق رافعين شعار تخليص العالم من تهديد أسلحه الدمار الشامل التي يمتلكها النظام العراقي، وتخليص العراقيين من استبداد «صدام حسين» ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ لقد تم تنفيذ استراتيجية الدمار وإعادة الإعمار بدقة، فتم قصف وتدمير المنازل السكنيه والمدارس والمستشفيات وشبكات الطرق والجسور ومحطات المياه والكهرباء والفنادق والمطارات، وسرقت كميات ضخمة من آثار وتراث العراق الذي لا يقدر بثمن تحت حماية القوات الأمريكية، وبعد ذلك تم توزيع عقود الإعمار على الشركات الكبرى التابعة لهم، وتم فتح أسواق العراق للمنتجات الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، في النهاية سقط العراق في مستنقع الفوضي والحرب الأهلية وربحوا هم المليارات، فما نراه نحن دمارًا وخرابًا، يرونه هم مشاريع جديدة وسوقًا واعدة، و ما نراه نحن موتًا وحروبًا أهلية يرونه هم فترة ازدهار لمبيعات الأسلحة!

إن تفسير ما حدث في ليبيا وسوريا تحديدًا من خراب ودمار على أنه نتيجة قمع أنظمة استبدادية لثورات شعبيه، أو أنه نتيجة خروج فصيل من الشعب على الشرعية في نظري مجرد هراء، فالثورات الشعبية تم استغلالها من قبل القوى الغربية لتنفيذ هذه الاستراتيجية، ففي ليبيا استغلت القوي الأجنبية الثورة وساعدت الثوار في إسقاط نظام «القذافي»، وقامت بالعمل على تدمير البنى التحتية، وإشعال الحرب الأهلية، وبعد ذلك نادت بسرعة البرق لعقد مؤتمرات إعادة إعمار ليبيا؛ لكي تحصل علة حصتها من عقود إعاده الإعمار!

وفي سوريا عندما بدات امريكا بتنفيذ هذه الاستراتيجية وجدت روسيا الفرصة سانحة أمامها لتقود هي تنفيذ الاستراتيجة، ولكن بشكل عكسي، فوقفت بجانب النظام السوري تحت شعارات وأسباب واهيه؛ لكي تدخل من بوابته، وتحصل على نصيب الأسد من عقود إعادة الإعمار، وبعد تدخل روسيا زاد الدمار والقصف على البني التحتية بشكل لافت، وفي النهاية سوف يكون لروسيا إذا انتصرت نصيب الأسد في عقود إعادة إعمار سوريا، بالإضافة إلى مبيعات الأسلحة وإغراق الأسواق السورية بالمنتجات الروسية.

إننا نعيش اليوم أبشع صور الاستعمار، ولكنه استعمار يعمل وفق القانون الدولي، استعمار أكثر تطورًا وتماشيا مع العصر! لقد تطور الاستعمار مثلما تطورت معظم الأشياء في حياتنا، فالاستعمار الآن لا يتطلب سوى دوله مفككة داخليًا، ليطبق عليها استراتيجية الدمار وإعادة الإعمار، دولة يكون الهدف الأسمى للسلطة فيها هو الحفاظ على الكرسي بأي ثمن، وبأية وسيلة، والهدف الأسمى للمعارضة فيها هو الوصول للكرسي بأي ثمن، وبأية وسيلة، وما أكثر هذه النماذج في الشرق الاوسط، ومن خلال بوابة المعارضة أو الثورة أو النظام الحاكم تدخل قوى الاستعمار – تحت مظله قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي – لتشعل فتيل الحرب الأهلية وتترك مهمة تدمير الدولة للدولة نفسها، وتتفرغ هي لإعداد الجدول الاقتصادي والسياسي، والدعوة والتحضير لمؤتمرات إعادة الإعمار!

إن هذا الاستعمار الحديث والمتطور الذي يطبق هذه الاستراتيجيه يعمل وفق المبادئ الآتية «دعنا نساعدهم في الهدم، ودعنا نحصل على مشاريع البناء، ودعهم يتقاتلوا، ودعنا نبع لهم الأسلحة»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدمار
عرض التعليقات
تحميل المزيد