إنه لمن دواعي السخرية والعجب المعتصر بالألم أن يكون هناك مشاهد تتم أمام الناس لأول مرة دون سابق تجربة ولا كتابة لتحديد أدوار هذه المشاهد، ومن الأكثر عجبًا أنه لم يعرف لها مخرج حتى الآن!

لم أر بحياتي ما هو أصدق وأنجح عمليًا وواقعيًا من أفلام تنقل الواقع فضلًا عن تجسيده من مجزرة رابعة. مشاهد حقيقية وأشخاص حقيقيون يشبهون غيرهم من فناني أمريكا وغيرهم من ممثلي مسارح هوليود.

أتذكر ذاك الطفل الذي لم يبلغ ربيعه التاسع بعد وهو يبكي وينادي أمه أن تعود من الموت. وهو لم يعرف بعد أنها لم ترحل. وكيف له أن يعرف أنها لم ترحل فضلا عن أنها لن تعود من موتها وهو لم يبلغ سن الحلم بعد.

أتذكر تلك السيدة وهي تجري متلهفة لرؤية ولدها الشاب القاصر بعد أن عصفت به عاصفة الغاز المسيل للدموع من يدها وهي تنادي ولا مجيب. أتذكر جيدًا ذلك المكان المرتفع عن سطح الأرض قليلًا وقد أحاطته الدماء من كل جانب حتى أصبح قطعة حمراء لا يعرفها سوى من سكنها. ولم يسكنها سوى جريح ينتظر الموت أو جثة تنتظر قدرها بين الحرق أو الاختطاف.

أتذكر جيدًا كلمات صاحبي في الهاتف حينها وهو يقول لي «كل شيء قد اصبح رمادًا» وكأني حينها أسمع منه وصفًا لتلك المشاهد من فيلم رعب كنت أتابعه وأنا صغير . أتذكر جيدًا وصف تلك السيدة العجوز وعينها تذرف دمعًا لا تكاد تراها حتى ينفطر قلبك وهي تقول «ما أروع تلك الصور» تتحدث وكأنها تقول بلسان الحقيقه سلامًا على ما بقي من مرؤءتكم.

لم أر بحياتي أصدق من ممثل يقضي أمام الناس في شاشة التلفاز ليريهم عين الحقيقة الغائبة عنهم. لم أر أيضًا بحياتي قصة نجاح لإخراج فيلم قد غزا العالم في أقل من ساعات دون معرفة من هو مخرجه أو بالأحرى من هو كاتب هذا السيناريو المؤلم. لم أر بحياتي أيضًا كيف أن هناك قوى للشر وللخير أيضًا تتصارعان ليخرجا لنا بالنهاية مشاهد لم يسبق لها إخراج بكل السينمات العالمية وإن لم يكن قد طلب منهم هذا. ولم أر بحياتي أيضًا هذه السلبيه المؤرقة الكامنة بداخل تلك المشاهد لذاك الفيلم والذي لم يتخذ سبيلًا بعد حتى للتعاطف مع بطل ذلك الفيلم والنقوم على ممثل الشر بتلك المشهد.

كيف لهم إلا يجعلوهم يتخطوا أرضًا غطت معالمها بالاحمرار من دمائهم فضلا عن تخطيهم سجادة حمراء كونهم أبطال تلك المشاهد. كيف كان ذلك؟ ولم هذا الوقت تحديدًا؟ لم هؤلاء الأشخاص هم أبطال الرواية دون غيرهم؟ وأسالة كثيرة لا يوجد بها أجوبة سوى «قدر الله عز وجل». أوليس من العجب بعد كل ما سبق أنه لم يذكر اسم هذه المشاهد على قائمة المشاهد المرشحة لجائزة الأوسكار؟! أليس من العجب أيضًا أن يتناسى الناس تلك المشاهد بمجرد انتهاء عرضها دون إبداء أية ردة فعل تجاه ذلك؟!

أليس من العجب إيذاء ذوي هؤلاء الأبطال والزج بهم خارج كادر المشهد بل خارج كواليس التصوير بالأساس فضلًا عن تكريمهم عن أعمالهم؟ أليس من العجب العجاب أن يعقد مؤتمر صحافي ليتحدث عن هؤلاء الأبطال وكأنهم أرقام سجل مثلا أو ما شابه دون ذكر أي من أعمال بطولتهم في تلك المشاهد أو حتى التلميح عن كم المعاناة التي عاناها هؤلاء الأبطال في كواليس تصوير هذه المشاهد؟

هذا ما لم تذكره لنا الأيام بعد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد