«الإسلام يعيش أزمة في كل أنحاء العالم»؛ هكذا قالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وما كنا نعترض على خطابه العنصري إلا لأن معناه واضح جلي، إن الإسلام حقًا يواجه الكثير من التحديات والحروب التي تُشَن عليه؛ لمحاولة زعزعة مبادئه وتشويه صورته وإلصاق الإرهاب به، لكن ماكرون لم يقصد التحديات التي تواجه الدين الإسلامي، بل قصد أن الإسلام في ذاته هو الأزمة.

ونقول لماكرون أن الأزمة في عقولكم أنتم الغرب، وفي تاريخكم الأسود المليء بالحروب الاستعمارية، والقتل، والتشريد، والعنصرية في البلاد التي وطأتموها، تاريخكم المرصع باستغلال الدين لحسابات السياسة والسيطرة على الفقراء وسلب أموالهم، أنتم من تعانون أزمة في منهجكم العقيم، وإفلاسًا سياسيًا وإنسانيًا وقيميًا، وتاريخًا استعماريًا أسودًا، أزمتكم أشد وطأة أيها الرئيس ماكرون؛ لأن منهجكم يعاني عيوبًا في طبيعة تكوينه، وخروقًا في تنفيذه، وتاريخًا ليس مُشرفًا بالمرة.

تاريخ فـرنسا الأسود.. والحضارة الإسلامية المشرقة

عقب إطلاق أنشطتها الاستعمارية، عام 1524، أسست فرنسا حكمها الاستعماري في عشرين دولة بين شمالي وغربي قارة أفريقيا، واستخدمت فرنسا دولا أفريقية، مثل السنغال وساحل العاج وبنين، كمراكز لتجارة العبيد، إضافة إلى استغلال ونهب موارد الدول وارتكاب المجازر، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939: 1945)، اندلعت احتجاجات شعبية في المستعمرات الفرنسية، رفضًا للاستعمار وطلبًا للاستقلال، وردت باريس باستخدام القوة العسكرية؛ فقتلت أكثر من مليوني مواطن أفريقي.

كما استخدمت العنف ضد احتجاجات في دول أفريقية حصلت على وعود من باريس بمنحها الاستقلال، وأبرز مثال هو قتل الجيش الفرنسي آلاف الجزائريين ممن تظاهروا ضد باريس، التي وعدتهم بالاستقلال، شريطة محاربتهم في صفوف جيوشها. وواصلت فرنسا استخدام العنف والقوة الدموية بشكل ممنهج في الجزائر، حتى حصل البلد العربي على استقلاله، عام 1962، بعد استعمار دام 132 عامًا، بعد ما سقط مليون مواطن جزائري ضحية للممارسات الفرنسية، خلال مشاركتهم في الحرب ضد الاستعمار لنيل الاستقلال، كما عملت باريس على القضاء على الهوية الجزائرية والآثار العثمانية، التي يمتد تاريخها إلى 300 عام، وأقدمت على تغيير معالم دينية وتاريخية عديدة في الجزائر، لطمس هويتها العربية والإسلامية.

كما ارتكبت فرنسا انتهاكات كبيرة في مجال حقوق الإنسان في الدول التي كانت تمتلك فيها نفوذًا سياسيًا، مثل الإبادة الجماعية بحق إثنية «التوتسي» في رواندا، عام 1994، وهي من أكبر عمليات الإبادة في التاريخ، إذ سقط فيها قرابة 800 ألف قتيل.

هذا جزء بسيط من القتل والتشريد والنهب والعنصرية التي قدمته فرنسا لمستعمراتها، أما ما قدمه الإسلام إلى أوروبا والعالم لا تكفي الأحبار لكتابته، ففي فترة الحروب الصليبية (1097م:1291م) وعلى الرغم من أن الصليبيين قدموا إلى المشرق الإسلامي طلاب حرب لا طلاب علم؛ إلا أنهم تأثروا بحضارة المسلمين، ونقلوا ما استطاعوا نقله إلى أوروبا التي كانت تعاني التخلف والانحطاط. فالأوروبيون الذين جاءوا إلى البلاد الإسلامية في موجات متلاحقة، خاضوا في سفك دماء الأبرياء بدون رحمة أو شفقة، حتى إذا جوبهت بالجند المسلمين رأت سيوفًا مُعلِّمة ونفوسًا رحيمة، ليس من رسالتها الاستعباد والقهر والظلم.

يقول جوستاف لوبون: «كان اتصال الغرب بالشرق مدة قرنين من أقوى العوامل على نمو الحضارة في أوروبا.. فالشرق كان يتمتع بحضارة زاهرة بفضل العرب وأما الغرب فكان غارقًا في بحر من الهمجية»، «وإذا ما نظرنا إلى تقدم العلاقات التجارية باطراد بين الغرب والشرق، وإلى ما نشأ من تحاك الصليبيين والشرقيين من النمو في الفنون والصناعة، تجلى لنا أن الشرقيين هم الذين أخرجوا الغرب من التوحش وأعدوا النفوس إلي التقدم، فانبثق عصر النهضة من أوروبا ذات يوم».

وقد جاء تأثير الحضارة الإسلامية في أوروبا شاملًا ميادين كثيرة، ومهيمنًا على جوانب متعددة، حتى عمَّ مستويات الحياة الأوروبية جميعًا، ونال أكثر المجالات والأنظمة، وفي مقدمتها العقيدة، والجوانب اللغوية والعلمية والأدبية والتشريعية والاجتماعية والسياسية وغيرها.

خلط الدين بالسياسة.. النغمة المملة!

يقول ماكرون «إن الإسلام مشروع يخلط السياسة والدين»، حقًا لقد أصبحت نغمة مملة، وجملة يكررها العلمانيون كببغاء، هي أن الإسلام يخلط الدين بالسياسة ويستغل الدين لمصالح سياسيّة، وما شهدنا استغلالًا للدين كما استغلته أوروبا في العصور الوسطى، لقد ظل الدين المسيحي منذ دخوله أوروبا حبيسًا في الكنيسة والهيكل المقدس، ولم ينجرف أبدًا لحياة الناس، ولكن رجال الدين من القساوسة والباباوات لم يكن ليستطيعوا ضمان مصالحهم إذا بقيت الكنيسة في عزلة عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وسعوا أن تصبح الكنيسة سلطة تقابل سلطة الملوك والأمراء، وأن تستغل سلطانها الروحي في ميادين الحياة العامة.

وفعلا أصبحت الكنيسة سلطة مقدسة تتحكم في دنيا الناس وآخرتهم، ببيع «صكوك الغفران» وصدور «قرارات الحرمان»، ومن خلفها محاكم التفتيش تقتل وتحرق من يُتهم بالزيغ والإلحاد، حتى جاء عصر التنوير الفكري والعلمي يعادي أفكار الكنيسة وجهلها، وانطلقت الكنيسة تقاوم لتكميم الأفواه وقمع حرية الفكر، فنشأ جيل من العلماء والمفكرين يكره الكنيسة ويحتقرها، ومن هنا كانت الفجوة بين الدين والعلم.

كما وجدت الطبقات الكادحة أن الدين لا يساعدها على أخذ حقوقها، وأن الكنيسة تتخذ من الدين مخدرًا؛ فلا تُنصفهم بأخذ حقوقهم في الدنيا وتُمنيهم العوض في الآخرة، ومن هنا كان العداء بين الشيوعية والدين.

أما الإسلام فلا صلة له من قريب أو بعيد بما نشأ في العصور التي تسبقه، بل جاء الإسلام لينقذ الأمم من براثن جهلها، ولم يستغل الدين أو سلطة روحية للسيطرة على الناس، فالإسلام لا كهانة فيه ولا وساطة بين الخلق والخالق، وليس به «رجل دين» بالمعنى المفهوم في الديانات الأخرى، إنما في الإسلام علماء بالدين، وليس للعالم بالدين من حق خاص في رقاب المسلمين، كما أن الإسلام لا يعادي العلم ولا يكره العلماء، ولم يعرف التاريخ الإسلامي تلك الاضطهادات المنكرة لرجال الفكر أو رجال العلم كما عرفتها محاكم التفتيش، وليس عندنا جفوة بين الدين والعلم، كالجفوة التي وقعت بين الكنيسة والعلماء في عصر النهضة وما تلاه.

فيقول الأديب سيد قطب: «ليس لدينا سبب واحد لتنحية الإسلام عن المجتمع، لا من طبيعته الخاصة، ولا من ظروفه التاريخية، كالأسباب التي لازمت المسيحية في أوروبا، فعزلت الدنيا عن الدين.. كذلك ليس لدينا أسباب حقيقية للعداوة بين الإسلام والكفاح لتحقيق العدالة الاجتماعية، كالتي لابست العداوة بين المسيحية والشيوعية، فالإسلام يفرض قواعد العدالة الاجتماعية، ويضمن حقوق الفقراء في أموال الأغنياء، ويضع للحكم والمال سياسة عادلة، ولا يحتاج لتخدير المشاعر».

أيها الرئيس ماكرون إنك تملك منهجًا متناقضًا يؤكد عدائك للإسلام، إنك ترفض إدانة جريدة «شارلي إيبدو» لنشرها رسمًا مسيئًا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بدعوي قيم العلمانية وحرية التعبير، وفي ذات الوقت تهاجم المسلمين وتفرض عليهم مشاريع لقوانين انفصالية؛ لفرض الرقابة على المساجد في فرنسا، وتضييق الحريات الشخصية لهم كارتداء الحجاب للنساء المسلمات وغيره، إن منهجك مَعيب متناقض!

في الختام.. إن للدين ربٌ يحميه، ولقد جابه الإسلام من هم أعظم قوة وشأنًا من ماكرون وأمثاله، وظل قويًا ثابتًا ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، لأن الإسلام صناعة إلاهيّة ليست بشرية كمناهج الغرب العقيمة، وإن الإسلام لديه الكثير ليعطيه لهذا العالم البائس المليء بالحروب والنزاعات والصراعات، عالمٌ يقف على شفا جرف هارٍ، حضارته مهددة بالبوار.

وإلى المسلمين.. قال الله تعالى «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ».. «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»، فلا يغرنكم الجاهلون بطبيعة الدين الإسلامي وتاريخه، ولا يثنيكم عنه الحاقدون، ولكن لا تكونوا أنتم هؤلاء الجاهلين بدينهم وقوتهم ومنهجهم القويم، اعتزوا بدينكم لأن الإسلام يأمرنا أن نكون دائمًا في المقدمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد