(1)

قام المهندس طارق النبراوي «نقيب المهندسين وقتها»، بإذاعة فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي يوم 8 مارس (آذار) الجاري، عشية انتخابات الإعادة على منصب نقيب المهندسين بينه وبين المهندس هاني ضاحي، وزير النقل الأسبق والمرشح المدعوم حكوميًّا، وفي رسالته ندد النبراوي بالتدخلات الحكومية السافرة في العملية الانتخابية، وأشار في رسالته إلى ما أسماه «ثورة 30 يونيو (حزيران)»، وما تمخض عنها من تحرير النقابة من اختطاف الإخوان لها.

(2)

كانت هذه الرسالة عجيبة في توقيتها ومضمونها، فأما في توقيتها فيأتي قبل يوم من انتخابات الإعادة الحاسمة، وما كانت لتلك الرسالة أن تغير شيئًا من التدخلات الحكومية، أو أن تنقل واحدًا من مؤيدي الحكومة وأنصارها من تأييده لخصمه إلى تأييده للنبراوي، فهي بلا فائدة من هذه الناحية، لكنها من الناحية الأخرى صرفت عنه الكثيرين من أنصار الشرعية ورافضي تمرد يونيو، ممن كانوا على استعداد للمشاركة والتصويت للنبراوي ولو من باب التصويت السلبي في مواجهة خصمه الحكومي، وبالنظر إلى الفارق الضئيل الذي جاء في اليوم التالي لصالح منافسه الذي حاز المنصب في النهاية، فيمكن القول باطمئنان إن هذه الرسالة وما أعلنه فيها من تأييد 30 يونيو، وتكرار الاتهامات بحق المجلس المنتخب السابق، كان أهم أسباب خسارته في النهاية.

(3)

وبالفعل كانت التدخلات الحكومية كثيفة وحاسمة، إذ شاركت هيئات وشركات حكومية في حشد موظفيها للتصويت للمرشح المدعوم حكوميًّا، وأنفقت أموال الدولة في ذلك، بل أمر رجال الأعمال وأصحاب الشركات أن يرسلوا رسائل مباشرة لموظفيهم المهندسين للمشاركة في الانتخابات، وما سمعنا بمثل هذا يحدث أبدًا في أي انتخابات سابقة، غير أن المهندس النبراوي ذاته هو آخر من يقبل منه الحديث عن هذا الأمر، فقد كان مخلب القط الذي استخدمته الحكومة لإسقاط المجلس المنتخب الذي انتخب بعد ثورة يناير (كانون الثاني)، وذلك حينما دعا إلى جمعية عمومية بعد ما أسماه ثورة 30 يونيو لإطاحة المجلس المنتخب، وهو يعلم أن المجلس انتخب من عموم مصر كلها؛ بينما تلك الجمعية العمومية التي أراد لها أن تسقط المجلس تقتصر على القاهرة، ثم استخدمت التدخلات الحكومية بكثافة في حشد أنصار العهد الجديد للتصويت على إسقاط المجلس، بل تدخلت الشرطة في منع باصات أنصار المجلس المنتخب من الوصول للقاهرة، ناهيك حوالي ألف مهندس معتقل وقتها، لو كانوا توجهوا فقط للتصويت هم ومن يأتي معهم، لما سقط المجلس المنتخب، الذي سقط بفارق غير كبير في مثل تلك الأجواء، وجاءت من بعده انتخابات هزيلة كانت مكافأة للمهندس النبراوي، لذلك نسأله: الآن تشكو من التدخلات الحكومية وقد استخدمتها من قبل -في إطاحة مشبوهة وفي مناخ استبدادي- في الوصول إلى موقعك؟! من أعان ظالمًا سلطه الله عليه، وأنت تعلم كم أسهم التدخل الحكومي في إطاحة المجلس السابق الذي تفتري عليه الآن وتقول إنه كان مختطفًا، ثم تشكو من الافتراءات، ونسيت أنه كما تدين تدان، سنة الله في خلقه.

(4)

وكما أن هذه كانت رسالة المهندس طارق النبراوي، نقول إن طارق النبراوي وما تعرض له هو رسالة، رسالة متجددة تتكرر تباعًا ونراها كثيرًا في الأعوام الأخيرة، رسالة من النظام ورسالة من الله، رسالة من النظام أنك عندما تخدم الطغيان لمهمة محددة فليس معنى ذلك أنك صديقه، أو أنه مدين لك، أو أنك معه للنهاية، أبدًا، أنت ارتضيت أن تكون خادمه في موقف نظير مقابل معلوم، وقد تم وأخذَ كلٌّ مراده، وللسيد أن يبدل خادمه متى شاء وكيف شاء، وقد وجد خادمًا أطوع وأوفى، فمن ارتضى لنفسه أن يكون خادمًا لمن لا وفاء له فلا يلومن إلا نفسه حين يبدله سيده في لحظة.

(5)

وهي رسالة متجددة من الله رحمة بعباده، فهل من مدكر، من أعان ظالمًا سلطه الله عليه، رسالة يكررها الله في خلقه كثيرًا حتى لا يفتن الناس بالظالمين ويسارعون فيهم، ومع ذلك فهي رسالة قل من يلتقطها، فهي مثل الموت، يمر بالناس وهم لا يتعظون، هل من متعظ بطارق النبراوي، ومن قبله ومن سيحدث له مثل ذلك من بعده؟ هل من مدكر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد