بهاء الدين يوسف 66
بهاء الدين يوسفحجازي 66

إلى العزيزة فلسطين، مضى عليكي 70 عامًا تحت محاولة بني هرتزل أن يمحو منكِ غصون الزيتون، وفي ذكرى السبعين بجسدك الهزيل، وبصوتك المتحشرج من كثرة ما أُلقى عليك، يحاول بنو هرتزل أن يأخذوا منك طفلتك، وينقل بنو هرتزل سفارة سارقي أراضي الهندي الأحمر إلى طفلتك المدللة: القدس.

نقف حولك نحنُ، عن يمينك فوق أرض الله، وتحت سمائه جزيرة العرب، عن يسارك قبط مصر، وأمازيغ أفريقيا، أي الذين ذهب لهم جيش بن نافع، ورحبوا به حتى نطقوا العربية على يد جمهور علماء الحجاز، يقفون جميعًا في يومهم ذاك يدعون الله، يقفون له صفوفًا، يرتحل الفرد منهم والآخر لقضاء أوراقه لكي يمضي شهر الله في بيته المُحرم، ويزور منهم من استطاع قبر نبيه، وينسى أسير المساجد الثلاث وثالثهم، وينسى جبين نبيه فوق تراب مكة صوب المسجد الأقصى، ويتعامى عن تلك المدافع التي تنتظر أن توجه صوب القبلة الأولى، ويدعو الله بأن يحررك.

ينسى الذين يدعون الله أن بني هرتزل هم من قالوا لموسى بن عمران: قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)، وأن تلك الأرض التي دافع أكثرنا ثمنها بدمه، والذين لم يدفعوا ثمنها دمًا دفعوا ذاك الثمن بعزمهم، وأتى هؤلاء جمعًا يحرقون ما استطاعوا من دماء الأوليين وعزم الآخريين، حرقوا بيوتًا وقتلوا أطفالًا ودمروا حقول الزيتون.

وأن ما تحاولينه يا سيدتي شيئًا لن يحدث، حيثُ اإي ولدتُ بعد 61 عامًا من يومك المشئوم، حيثُ ألقى الله بالعرب جمعًا في البحر، وجعل الغلبة لبني هرتزل، وحينما ولدتُ لم أسمع عنك سوى أضغاث القول، ولم أستطيع أن أراك كما أراك، لولا أن الله قدر لي أن تعبر قدمي فوق أرضك 70 يومًا.

وأقول لك إننا يومًا ما سنقف أمام الله جميعًا، ويسألنا عن الحائط المبكى كيف أصبح مبكى وهو حائط المعراج، وكيف نرضى جميعًا أن نراك تواجهين الدبابة بالحجارة، وكيف أصبح هم الفرد من بيننا أن يعبر اليوم فيك على خير، ولا نعرف ذاك الخير، بأن يرحل عنك بنو هرتزل جمعًا، أو يقضون نحبهم لأنهم يحاولون أخذك من بيننا، ونحن حولك عن اليمين وعن اليسار.

ثم لعل الله يسأل الذين يحاولون عرض التقسيم عليكي منذ سنوات بعيدة، بأنه حلك الوحيد لكي يعود إليك أبناؤك من المنفى، وأن يعيش الذين هم يعانون في كل مكان حياة هادئة ولو يوم من حياتهم، هؤلاء الذين لا يعلمون ما يجري في قلب الإنسان حينما يرى وجه سارقه طوال الوقت، وحينما يشاهد ما قد سرق منه أمام عينيه ولا يستطيع أن يقبض عليه، هؤلاء الذين يحبون الموت خافضي الرؤوس، لا يرفضون شيئًا ولم يقبلوا شيئًا، فقط يريدون الحياة منتظرين الموت خانعين للهزيمة، ليسألهم فقط ذاك السؤال الوحيد، بأي حق تقيض كف أمة تقاوم وهي ضعيفة ومستضعفة؟

وأتعجب منك طوال الوقت، يحاصرك العرب، ويحاصرك بنو هرتزل، ويحاصرك الزمان بما يخفيه، ويقف أيوب عليه السلام ينظر إليك وصبرك يفوق ما قد صبره على مرضه، ما البئر الذي تغتسلين فيه فيشفيك الله من كل أمراضك، أمة عن يمينك جاهلة تحاول أن تصنع تاريخًا وهي بلا تاريخ، وعراق الأرض ينزف دماء المأساة، وسوريا أسيرة بؤس الديكتاتور ونفاق لاعقي حذاء السيد من العبيد، وعن يسارك أمم ضحية الفاشية العسكرية.

ما أود إرساله لك مما سبق، إننا لا نراك على الإطلاق، أنت شيء يعبر في اليوم طوال الوقت في شريط أخبار لا ننظر إليه، وتعبرين على سماع المُصلى في صلاة يقضيها فقط من باب الواجب، بل إنك يا سيدتي لا تعيشين صبرًا، ليس سوى أيوب الذي يهتم به، أقول لك يا فلسطين التي تقاوم، فلتقاوم فلسطين، وليشفيها الله من كل سقم، من بني هرتزل داخلها، ودول المشرق العربي عن يمينها، ودول المغرب عن يسارها، لعل الله يهلك سلطان أممٍ في شهره الكريم ليكرم أمةً شقيت حتى ترضى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك