روت “سارة فؤاد” مراسلة موقع “الحكاية” تفاصيل الاعتداء عليها من بعض المواطنين في أثناء تصويرها تقرير بجوار نقابة المحامين، حيث قالت سارة على صفحتها الشخصية على موقع “فيس بوك”، إنه في أثناء تسجيلها تقريرًا مصورًا مع أحد المواطنين البسطاء، قام أحد المحامين بسبها وضربها مدعيًا أنها كارهة للسيسي وتتصيد المواطنين البسطاء لتشويه سمعة مصر، قالت سارة:

“أنا في حالة صدمة من امبارح ومكنتش عارفة أبدأ كتابة منين.. بس في الحقيقة أنا اتعرضت لأصعب موقف في حياتي كلها.. 
نزلت أصور إمبارح الظهر في وسط البلد تحديدًا عند نقابة المحامين.. واللي شاف تقاريري هيعرف إني مش بخرج عن الإطار الكوميدي الساخر، يعني لا لي دعوة بسياسة ولا غيره وبحتفظ بآرائي السياسية على صفحتي الخاصة فقط. 

المهم.. صورت مع واحد شكله غلبان ولبسه متواضع، وهو اللي طلب يسجل معايا.. سألته سؤال كوميدي ورد عليا وفضل يتكلم ويقول كل اللي جواه بكل حب. وأنا بصور معاه فجأة جالي واحد قفل الكاميرا وقالي ينفع يعني تصوري مع واحد جربان وهدومه مقطعة وسايبة الناس المحترمة اللي زيي وزي ناس كتير؟ ملقيتيش غير المعفن ده تصوري معاه؟ والله العظيم قال كده بالحرف! وبقى يمسك هدوم الراجل يشدها ويقولي ده منظر تصوري معاه؟ ويحاول يقلعه بنطلونه ويقولي ده منظر تصوري معاه؟

هي دي الوجهة المشرفة للبلد؟ حسبي الله ونعم الوكيل انتو مش محترمين وولاد… وانهال عليا أنا والمصور بأقذر الشتايم، في لمح البصر لقيت المواطنين الشرفاء اتلموا حوالينا من كل مكان زي القطيع وفضلوا هما كمان يشتمونا ويبهدلونا والضرب بقى جاي من كل حتة، ولما حاولت أجري، لقيت واحدة ست بتضربني على ضهري بكل غل وناس تقول إحنا عارفين البت دي بتكره السيسي والنظام وشوية كنت هتحول لعنصر إرهابي يهدد أمن المجتمع. عرفت بعد كده إن الأستاذ اللي تعدى علينا ده محامي. 

بعدها الشرطة جت تحفظت علينا شوية وسابتنا لما عرفت إحنا جايين ليه وبنعمل إيه.
أنا الحمد لله كويسة ولسه عايشة.. بس كل حاجة جوايا ماتت.

البلد دي غير صالحة للحياة الآدمية.. غير صالحة لأي حاجة.
عنصرية وغل وحقد وسفالة وكل حاجة ممكن تتقال.
مش هقدر أنسى نظرة الراجل الغلبان وهو بيتذل. مش هقدر!
دمتم عبيدًا.
وحسبي الله ونعم الوكيل
وآسفة إني نكدت عليكو”.
يفسر الطبيب الفرنسي “جوستاف لوبون” هذا الأداء في كتابه الأشهر “سيكولوجية الجماهير” قائلًا:

“الجماهير مجنونة بطبيعتها، فالجماهير التي تصفق بحماسة شديدة للقائد العظيم الذي تؤيده تعيش لحظة هلوسة وجنون، والجماهير المهتاجة التي تهجم على شخص لكي تذبحه دون أن تتأكد من أنه هو المذنب هي مجنونة أيضًا، فإذا ما أحبت الجماهير دينًا ما أو رجلًا ما تبعته حتى الموت، كما يفعل اليهود مع نبيهم والمسيحيون المتعصبون وراء رهبانهم والمسلمون وراء شيوخهم، والجماهير اليوم تحرق ما كانت قد عبدته بالأمس، وتغير أفكارها كما تغير قمصانها، فالجماهير التي تضرب عن العمل تفعل ذلك من أجل إطاعة الأوامر أكثر مما تفعله من أجل الحصول على زيادة الرواتب.

ونادرًا ما تكون المصلحة الشخصية محركًا قويًا لدى الجماهير، في حين أنها تشكل المحرك الكلي تقريبا لدوافع الفرد الواحد، والفرد ما أن ينخرط في جمهور محدد حتى يتخذ سمات خاصة ما كانت موجودة فيه سابقًا، أو يمكن القول إنها كانت موجودة ولكنها كانت كامنة، لم يكن يجرؤ على البوح بها أو التعبير عنها بمثل هذه الصراحة والقوة، وكما أن روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسي أو الطبيب الذي يجعل شخصًا ما يغطس في النوم، فإن روح الجماهير تخضع لتحريضات وإيعازات أحد المحركين أو القادة الذي يعرف كيف يفرض إرادته عليها، وفي مثل هذه الحالة من الارتعاد والذعر فإن كل شخص منخرط في الجمهور يبتدئ بتنفيذ الأعمال الاستثنائية التي ما كان مستعدًا إطلاقًا لتنفيذها لو كان في حالته الفردية الواعية والمتعقلة.

فالقائد الزعيم إذ يستخدم الصور الموحية والشعارات البهيجة بدلًا من الأفكار المنطقية والواقعية، يستملك روح الجماهير ويسيطر عليها، ففي كل الدوائر الاجتماعية من أعلاها إلى أسفلها نجد أن الإنسان يقع تحت سيطرة قائد ما، ونجد أن معظم الأفراد – خصوصًا في الجماهير الشعبية – لا يمتلكون خارج دائرة اختصاصهم أية فكرة واضحة ومعقلنة، وبالتالي فهم عاجزون عن قيادة أنفسهم بأنفسهم.

هناك أسباب عديدة تتحكم بظهور الصفات الخاصة بالجماهير، وأولها هو أن الفرد المنضوي في الجمهور يكتسب بواسطة العدد المتجمع فقط شعورًا عارمًا بالقوة، وهذا ما يتيح له الانصياع إلى بعض الغرائز، ولولا هذا الشعور بالقوة لما انصاع، وهو ينصاع لها عن طوع واختيار، لأن الجمهور مُغفل بطبيعته وبالتالي فغير مسؤول.

وبما أن الحس بالمسؤولية هو الذي يردع الأفراد فإنه يختفي في مثل هذه الحالة كليًّا، لذا الخصائص الأساسية للفرد المنخرط في الجمهور هي: تلاشي الشخصية الواعية، هيمنة الشخصية اللاواعية، توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار، الميل لتحويل الأفكار المحرض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة.

وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه، وإنما يصبح إنسانًا آليًّا ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده، فبمجرد أن ينطوي الفرد داخل صفوف الجماهير فإنه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة، والجمهور ليس بحاجة لأن يكون كثير العدد لكي تدمر إمكانيته على الرؤية بشكل صحيح، ولكي تحل الهلوسات محل الوقائع الحقيقية التي لا علاقة لها بها، فيكفي أن يجتمع بعض الأفراد لكي يشكلوا جمهورًا، وحتى لو كانوا علماء متميزين، فإنهم يتحلون بكل صفات الجماهير فيما يخص الموضوعات الخارجة عن دائرة اختصاصهم، ذلك أن ملكة الملاحظة والروح النقدية التي يمتلكها كل واحد منهم تضمحل وتتبخر.

وفي زمن المساواة لا يعود البشر يثقون ببعضهم البعض بسبب تشابههم، ولكن هذا التشابه يعطيهم ثقة لا حدود لها، وذلك لأنهم يجدون أنه من غير الممكن ألا تكون الحقيقة في جهة العدد الأكبر.

وبما أن الجميع يمتلكون نفس العقل، فإن التاثير المزدوج للماضي والتقليد المتبادل، يؤديان في نهاية المطاف إلى جعل كل البشر التابعين لنفس البلد ونفس الفترة متشابهين، إلى درجة أنه حتى أولئك الذين يتوقع منهم أن يفلتوا من هذا التشابه كالفلاسفة والعلماء والأدباء، يبدون متشابهين في أسلوبهم، ومطبوعين بطابع الفترة التي ينتمون إليها.

إن بساطة عواطف الجماهير وتضخيمها يحميها من عذاب الشكوك وعدم اليقين، فالجماهير كالنساء تذهب مباشرة نحو التطرف ولا تعرف المنطقة الرمادية، فما أن ينطلق خاطر ما حتى يتحول إلى يقين لا يقبل الشك، وبما أن الجماهير لا تعرف إلا العواطف البسيطة والمتطرفة فقط، فإن الآراء والأفكار والعقائد التي يحرضونها عليها تقبل كلها دفعة واحدة أو ترفض كلها دفعة واحدة، فإما أن تعتبرها حقائق مطلقة أو أخطاء مطلقة، ولحسن حظ الحضارة فإن هيمنة الجماهير على الحياة العامة لم تولد إلا بعد أن كانت الاكتشافات الكبرى للعلم والصناعة قد تحققت وانتهت.

الجماهير غير ميالة كثيرًا للتأمل، وغير مؤهلة للتفكير العقلي، ولكنها مؤهلة جدًا للانخراط في الممارسات والتنظيمات الجماهيرية التي تجعل قوتها ضخمة جدًا، والعقائد الجديدة التي نشهد ولادتها أمام أعيننا اليوم سوف تكتسب قريبًا نفس قوة العقائد القديمة، أي القوة الطغيانية والمتسلطة التي لا تقبل أي مناقشة أو اعتراض، فلم تعد مقادير الأمم تحسم في مجالس الحكام وإنما في روح الجماهير، ولذلك فإن علم النفس الجماعي يفيدنا ويضيء عقولنا عندما يشرح لنا جذور تصرفاتنا العمياء، والأسباب التي تدفعنا للانخراط في جمهور ما، والتحمس أشد الحماس للزعيم، فلا ندرك فداحة ما فعلناه إلا بعد أن نستفيق من الغيبوبة، وربما جعلنا ذلك أكثر حيطة وحذرًا في الانبطاح أمام زعيم جديد قد يظهر.

الإنسان ليس متدينا فقط عن طريق عبادة آلهة معينة، وإنما أيضًا عندما يضع كل طاقاته الروحية، وكل خضوع إرادته، وكل احتدام تعصبه في خدمة قضية ما، أو شخص ما، لذا فإن دور القادة الكبار يكمن في بث الإيمان سواء أكان هذا الإيمان دينيًا أم سياسيًا أم اجتماعيًا، إنهم يخلقون الإيمان بعمل ما أو بشخص ما أو بفكرة ما، ومن بين كل القوى التي تمتلكها البشرية نجد أن الإيمان كان إحدى أهمها وأقواها.

هناك نمطان من الفكر فقط، الأول يستخدم الفكرة المنطقية أو العقلانية، والثاني يستخدم الفكرة المجازية أو الصورية، والأول يعتمد على قوانين العقل والبرهان والمحاجة المنطقية، أما الثاني فيعتمد على قوانين الذاكرة والخيار والتحريض، وأكبر خطأ يرتكبه القائد السياسي هو أن يحاول إقناع الجماهير بالوسائل العقلانية، لذا لكي نقنع الجماهير بفكرة ما أو عقيدة، ينبغي أولًا أن نفهم العواطف الجياشة في صدورها، وأن نتظاهر بأننا نشاطرها إياها، ثم نحاول بعدئذ أن نغيرها عن طريق إثارة بعض الصور المحرضة بواسطة الربط غير المنطقي أو البدائي بين الأشياء، فليست الوقائع بحد ذاتها هي التي تؤثر على المخيلة الشعبية وإنما الطريقة التي تعرض بها هذه الوقائع.

عندما تفقد القوى الأخلاقية التي تشكل هيكل المجتمع زمام المبادرة من يدها، فإن الانحلال النهائي يتم عادة على يد الجماهير الكثيرة اللاواعية والعنيفة، لكن الأمل يكمن في الثورات التي تساعد على التدمير الكلي للعقائد التي أصبحت مهجورة، ولكنها لا تزال رازحة بسبب نير الأعراف والتقاليد.

والتقليص التدريجي للحريات لدى بعض الشعوب هو ناتج عن شيخوختها بنفس القدر عما ما هو ناتج عن النظم السياسية الديكتاتورية، على الرغم من بعض مظاهر التحلل والإباحية التي قد توهم هذه الشعوب بامتلاك الحرية، هذا التقليص في الحريات يشكل أحد الأعراض المنذرة بمجيء مرحلة الانحطاط، التي لم تستطع أي حضارة في العالم أن تنجو منها حتى الآن.

________________________________________________________________________________________________

“جوستاف لوبون” (1841 – 1931)، طبيب ومؤرخ فرنسي، وأحد أشهر فلاسفة الغرب، درس الطب، واهتم بالطب النفسي وعلم الأنثروبولوجيا، وأنتج فيه مجموعة من الأبحاث المؤثرة عن سلوك الجماعة، والثقافة الشعبية، ووسائل التأثير في الجموع، مما جعل من أبحاثه مرجعًا أساسيًّا في علم النفس، من أشهر مؤلفاته “روح الثورات والثورة الفرنسية”، “روح الجماعات”، “السنن النفسية لتطور الأمم”، “روح السياسة”، “حياة الحقائق” و”الآراء والمعتقدات”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد