مقدمة

يتعامل الغربيون عمومًا مع ما أنتجه جهابذتهم، من علوم تطبيقية ونفسية وفلسفية، على أنها منارة تضيء طريق التقدم في كل المجالات! فهم الذين أخذوا الديموقراطية رغم قدمها من فلاسفة سياسيين كجان جاك روسو، صاحب «العقد الاجتماعي» والذي مهّد للثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر، 1789. وفصلوا سلطات الدولة الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، بناء على رأي الفيلسوف الفرنسي، أيضًا، تشارلز دي مونتيسيكيو، ولم تكن الليبرالية إلا نتاج أفكار الإنجليزي جون لوك والمذكورين آنفًا وكثيرين غيرهم. ومن التطبيقات الأكثر أهمية في التاريخ المعاصر لأفكار الفلاسفة الغربيين، هي الشيوعية التي استمرت لأكثر من سبعين عامًا، والتي كانت نتيجة فهم كارل ماركس وأنجلز لفلسفة جورج هيجل وكلهم ألمان! ولن يكون موضوعنا اليوم البحث في السياسة من منظور هؤلاء؛ بل في فهم بعضهم لطبيعة الإنسان، وتطبيق هذا الفهم على الواقع بقصد أو بغير قصد! وهنا سأتكلم عن اعتراف هيجل Hegel’s recognition الذي يُشعر الإنسان بسيادته واستقلاليته وتميزه عن الآخرين حسب هيجل، وله تبعات نفسية مؤثرة جدًا على سلوك البشر.

ما الاعتراف؟

الاعتراف «Recognition» هو شعور الإنسان بسيادته وتميزه عن طريق اعتراف شخص آخر له بالسيادة والتميز ولو بالقوة! أي أن الإنسان لا يتحقق من وجوده المستقل والحر إلا بوجود إنسان آخر يقر باستقلاليته وسيادته. ذلك أن الإنسان يرى نفسه تمامًا عندما ينظر إلى إنسان آخر وكأنه ينظر في المرآة. فهو يشرب إن عطش ويأكل إن شعر بالجوع مثله. إذن هو يرى نفسه متماهيًا مع الآخر، كما يرى الآخر نفسه متماثلاً معه! وهنا لا يجد الإنسان نفسه مختلفـًا عن الآخر، وأنه ليس ذا كيان مستقل متميز، فهو مثل الآخرين! ويعتقد أن في هذا التماهي تدميرًا لهويته الشخصية، أي أنه بلا هوية، وهذا عذاب، كما يقول هيجل. إذن فالإنسان يبحث عن الاعتراف به كشخص مختلف وسيّد وحر، ويريد أن يتخلص من «الأخروية» أي كونه متماثل مع الآخر. فوجوده كإنسان، إذن، مرتَهَنْ باعتراف الآخر به! ولذلك يُعتبر إبعاد الآخرين أو إهمالهم shunning لأي إنسان، أي عدم التعامل معه والتحدث إليه، أشد قسوة من السجن والضرب، أي أن هيجل يرى أن وعي الإنسان بذاته، أي وجوده، يكون ناقصًا إن لم يكن مقترنًا بوعي الآخر أو اعترافه به. وعليه فإن أي إنسان يريد أن يحصل على اعتراف الآخرين به ككيان سيد ومستقل مهما كلفه ذلك.

تحقيق الاعتراف

ولتحقيق «الاعتراف«Recognition، قد يلجأ الإنسان إلى القوة ليسيطر على الآخر فيما سماه هيجل »جدلية السيد والعبد»؛ ذلك أن فك الارتباط «التماثل مع الآخرين» يتطلب المواجهة بين الوعيَيْن «أي الشخصين» لتحقيق اعتراف أحدهما بالآخر؛ حيث يفكر كل منهما بالآخر من حيث تفكيره بنفسه، كما رأينا في مثال العطش والشرب والشعور بالجوع والأكل. وتؤدي هذه المواجهة إلى انتصار أحدهما «السيد» وانهزام الآخر «العبد» بالموت أو الاستسلام! فثمن الاعتراف، إذن، هو موت الآخر أو استسلامه! إلا أن هذا الحل غير كامل، كما يقول هيجل، وقد حدث في عصور سالفة «عصور التخلف والجهل»، إضافة إلى أن المنتصر «السيد» يفقد أداة الاعتراف وهو «العبد» الذي مات! فهو يريد أن يشعر بانتصاره على المهزوم وموت المهزوم يحرمه من نشوة الانتصار وأداة الاعتراف! اما اليوم فهناك طرق أكثر تحضرًا، ومنها التعاون لإنهاء الاعتماد على القوة للحصول على الاعتراف، على سبيل المثال، التعاون الاقتصادي؛ حيث أصبح الأقوياء اقتصاديًا بحاجة لمن يعمل في مصانعهم شركاتهم ويدير أعمالهم، أي أن المصلحة «روضّت» طريقة الاعتراف والشعور بالسيادة والتميز، حيث جعلت الاعتراف متبادلاً برغم الفارق في امتلاك وسائل القوة لتحقيق الاستقلالية والتميز؛ فالموظف والعامل أصبحا يمتلكان المعرفة والخبرة ليصبحا مستحقين للاعتراف بوجودهما واستقلالهما، فلولاهما لما أنتجت الشركات والمصانع! ومثال آخر هو الديموقراطية السياسية وهي التي جعلت مسألة تحقيق الذات أمام الآخرين ممكنة، فالسياسي ومؤيدوه يعترفون بخصومهم السياسيين رغمًا عنهم لضرورة تبادل أو تقاسم السلطة عن طريق الانتخابات وليس الاقتتال. أي أن الاعتراف متبادل بشكل سلمي! وهكذا تراجعت قيمة تحقيق الاعتراف والشعور بالسيادة والاستقلال، بعد أن كان مسألة حياة أو موت في قرون ماضية.

معوقات تحقيق الاعتراف

وأعتقد أن ما سبق من الأمثلة التي تحقق الاعتراف المتبادل ساهمت في ردع شهوة التعالي لدى الإنسان من باب المصلحة. ولا يغيب عن بالنا دور رسالة الدين في تهدئة أو إلغاء تأثير الحصول على الاعتراف، فقد أمر الدين أن يكون الناس سواسية بغض النظر عن كافة الاعتبارات الأخرى. وهنا مثال من الإسلام الحنيف حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»! و«تبسمك في وجه أخيك صدقة». وهناك أمثلة من الأديان الأخرى قد لا تقل شأنًا عن دين الإسلام في الحض على المساواة! إضافة للقوانين المجتمعية والحكومية الصارمة التي تمنع الاعتداء على الآخرين أو إهانتهم مهما كان السبب لكي يستتب الأمن والاستقرار للمجتمع ككل. إلا أن القوانين الوضعية لا يمكنها من كبح جماح الإنسان وتوقه للتميز، خصوصًا بعد تدهور التأثير الديني في أوروبا والغرب عمومًا بعد الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر. وبعد انتشار تأثير الفلاسفة مثل فريدريك نيتشه الذي قال: «إن الله مات»، كتعبير عن موت مبادئ الدين المسيحي، حسب رأيه طبعًا. لذلك أصبح التأثير فقط للقوانين الحكومية التي لا يمكنها من مراقبة الناس في كل مكان وزمان. مما حرر الإنسان من الرقابة الذاتية التي فرضها إيمانه بالدين وخاصة في الغرب! ومهما حاولت القوانين حصاره، يظل الإنسان يبحث عن التميز «الاعتراف به كسيد حر ومستقل» بين بني جنسه وإن كان اعترافًا جمعيًا، ويسعى لتحقيقه بطرق جديدة وأهمها الرياضات الجماعية وبالأخص كرة القدم.

كرة القدم تجسد اعتراف هيجل

تعتبر لعبة كرة القدم من العوامل الفعّالة في تحقيق رغبة الإنسان في التعالي، وتحقيق الاعتراف به ككائن مستقل ومتميز عن بني جنسه دون الخروج على القانون، أو الدخول في مهاترات قد لا تخدم المنتصر ولا المهزوم، ويمكن تحقيق ذلك على مدار السنة؛ أي أن كرة القدم مواجهة، بل حرب حقيقية تحقق اعتراف الآخر بالآخر بلا دماء، إلا ما ندر، وهنا الاعتراف جمعي وليس فرديًا! ففي كل دولة هناك أندية من عدة مستويات، ولكل مدينة تقريبًا ناديها أو أنديتها التي تمثلها، وهذه الأندية تحظى بتشجيع الأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع، وتلعب هذه الأندية فيما بينها على مدار السنة على بطولة الدوري العام وكأس الوطن.

وقبل كل موسم تبدأ الاستعدادات بالتعاقد مع لاعبين جدد، يُعتقد أنهم سيصنعون الفارق مع أنديتهم، وتدفع ملايين وعشرات الملايين من الدولارات ثمنًا لخدمات بعض اللاعبين من أمريكا اللاتينية وأوروبا ومن بقية القارات. وهؤلاء اللاعبين بمثابة «الأسلحة» النوعية الجديدة، وتكملها بالمعسكرات الداخلية والخارجية، ولعب مباريات ودية بمثابة المناورات العسكرية بـ «الذخيرة الحية». والهدف خلق الانسجام والتفاهم بين اللاعبين – أفرع «القوات المسلحة» – لخلق فريق متناغم ليحقق البطولات التي تهم الجماهير أكثر من اللاعبين أنفسهم والسبب هو نزع الاعتراف – التميز والسيادة – من الآخرين! أما المباريات فلها طقوس ومقدمات وتبعات كما للمعارك الحربية!

فقبل كل مباراة تبدأ الحرب الإعلامية، وخصوصًا إذا كان الناديان المتباريان من الأندية الجماهيرية. وهي حرب نفسية للتأثير على نفسيات الفريق المقابل، وللخداع تلجأ بعض الفرق إلى إغلاق تدريباتها كي لا تنقل الصحافة الخطة التي سيلعب بها الفريق. وقبيل المباراة بساعات، تنتشر أعداد كبيرة من أفراد الشرطة في أرجاء الملعب لحفظ النظام والأمن ولمنع اقتتال جمهوري الفريقين. وتزحف الجماهير إلى ملعب المباراة مشحونة بأمل الفوز والخوف من الهزيمة! وتجلس جماهير كل نادٍ في أماكن معينة منفصلة عن جماهير النادي الآخر منعًا للاحتكاك.

وما أن تنطلق المباراة حتى تبدأ جماهير كل فريق بتشجيع فريقها بقيادة روابط جماهيرية مدربة، وترديد أهازيج معينة لتشجيع الفريق على اللعب بجدية و«القتال برجولة» في الملعب – كما في الحروب القديمة – لتحقيق الانتصار على «العدو» ويسمى «الخصم» تلطيفـًا! إنها الحرب فحسب! فالمستوى لا يهم بقدر ما يهم تحقيق النصر! وتتعالى الصيحات وهدير الحناجر مع كل هجمة، فإما فرحة عارمة بتسجيل هدف أو إحباط لضياع فرصة! وإن أطلق الحكم صافرة ضد فريقهم، وإن بحق، تتعالى صيحات الاستهجان والسباب ضده! وإذا كان مستوى الفريق ليس كما يجب مما يؤدي لخسارته، فالمبرر جاهز: إنه الحكم الغشاش أو المرتشي أو غياب العناصر المؤثرة في الفريق. المهم أن يجدوا مبررًا للخسارة! وإن كانت المباراة على نهائي بطولة أو مهمة في هذا الطريق، فإن حالات الإغماء والذبحات الصدرية واردة جدًا لمشجعي الفريقين، إما بسبب الخسارة أو الفوز غير المتوقع! ومنهم من لا يذهب في اليوم التالي إلى عمله أو مدرسته أو جامعته للحزن الذي يعتريه أو خجلاً من الخسارة، فخسارة فريقه خسارة له شخصيًا بكل الاعتبارات!

ولكن هناك عزاء جميل يصبّر الخاسرين وهو أن هناك مباراة أخرى، أو مباريات في المسابقة نفسها أو مسابقات مختلفة، بعد أيام أو أسابيع أو شهور قليلة أو حتى العام القادم. والأمل في التعويض ورد الاعتبار قائم بلا شك. ولعل هذا ما يمنع الاقتتال الحقيقي! لا يمكن أن يكون هذا كله من أجل المتعة! وإن كانت من بين الأهداف لبعض المشجعين الذين يشاهدون المباريات للتسلية، وإنما لهدف أكبر وأسمى وهو تحقيق تفوق على الآخرين أو اعتراف هيجل كما يُسمى فلسفيًا ونفسيًا، وهو خصلة متأصلة في طبيعة البشر! وفي حالة المنتخبات الوطنية، فإن كرة القدم تمثل الشيفونية chauvinism، أي المغالاة في الوطنية، الجامعة لكل مشجعي الأندية! فالفوز والتأهل للمسابقات القارية، كأس آسيا وكأس الأمم الأفريقية أمثلة، أو كأس العالم، يحقق الاعتراف لشعب الدولة بأكمله، ويعتبر مسألة «حياة أو موت» عند كثيرين وخاصة الشرقيين وعلى رأسهم العرب!

الخلاصة

كل ما ذكرناه آنفًا يدل على أن كرة القدم ليست للمتعة، إلا بنسبة يسيرة، وإنما لتحقيق هدف «أسمى»، وهو تحقيق التميز والشعور بالسيادة! أي أنها حرب حقيقية بلا مدافع ورشاشات؛ فوجود الشرطة وربما الجيش في بعض الأحيان بشكل مكثف في الملعب يدل على أنها ليست مجرد لعبة. الحضور الجماهيري الرهيب في الملعب وخارجه حول شاشات التلفاز، والعصبية في التشجيع وحتى حالات الطلاق التي تحصل بين الزوجين للاختلاف حول نتيجة مباراة ومن يستحق الفوز لدليل على تجسيد كرة القدم لاعتراف هيجل! وما انعدام الأخلاق عند اللاعبين عند التفكير بالنصر، كما فعل الإيطالي ماتيرازي الذي استفز الفرنسي زين الدين زيدان في نهائي كأس العالم في ألمانيا عام 2006، مما أدى إلى «النطحة» الشهيرة والتي أخرجت زيدان بالكارت الأحمر ومهدت لفوز إيطاليا بكأس العالم، إلا دليل آخر على أن كرة القدم حرب من أجل الحصول على الاعتراف بالسيادة والتميز عن الآخرين! ولننظر إلى كثافة البرامج الرياضية و«الخناقات» أو «الهوشات» التي تحصل بين المحللين!

تعقيب

التعصب هو الحالة الطبيعية في الحرب المسماة كرة القدم! ولو لم يكن هذا «التعصب» أي الحرب، لما انهمك الناس في كرة القدم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

The Master/Slave Dialectic
عرض التعليقات
تحميل المزيد