إن المرء ليسعده أنه رغم ما في الأمة من بلاءات وزلازل أن يبرز كل يوم جهد جديد يكون لبنةً من لبنات البناء الذي نعتقد جازمين أنه لن يتوقف فهو مستمر ومتوال وماض بإذن الله تعالى.

يسعدني الْيَوْمَ وأنا مهموم بحال الأمة والبشرية، ومهتم بشأن ما أعانيه من تساؤلات حول حال المجتمعات وتحولاتها الجذرية التي تتم كل يوم وكل لحظة، يسعدني ويشرفني أن أتناول في هذا المقال جهدٌ جديد برز من ركام التجربة لأستاذ لنا جليل هو دكتور علاء الدين آل رشي، وهو جهد نرجو أن يباركه الله تعالى ونحسبه امتدادًا لجهود سبقت في مجاله، لكننا متعطشون لمثله وفِي موضوعه منذ زمن، فإننا لا زلنا نصر ونتمسك أن ما تعانيه المجتمعات الإسلامية إنما هو ضمن إطار هذا الموضوع الذي تناوله الكتاب، بل قامت العقيدة الإسلامية منذ نبوتها لحل هذه المعضلة ألا وهي: أزمة الحكم، أو الأزمة السياسية، والعلاقة بين الجمهور والحاكم وكيفية الحكم وأزماته، وطابع المجتمعات وما تعانيه من إشكالات بنيوية وثقافية، وما تعانيه كذلك من أزمة في تدينها.

إنني لا أدعي أنني أحطت بكامل الكتاب وما فيه من ثراء، إلا أنني لا ريب أصابتني ريحه الطيبة التي أجابت على كثير من الأسئلة، خاصة وأننا جميعًا نعيش تجارب في حقبة واحدة، وإن كانت تختلف من مجتمع لآخر في حدتها، أو في تشكلها في المجتمعات.

لقد كان كثير من الثوار يظنون أن تغيير المنكر أمرٌ يسير يمكن إنجازه بحمل السلاح، أو حتى بثورة عارمة تجتث الظلمة الذي يفسدون في الأرض، لكن الناس من حيث لا يعلمون غفلوا أو كانوا جزءًا فعليًا من أزمة الأمة، وتحول الثائرون أنفسهم لظلمة؛ إذ إن المشروع أكبر بكثير من تغيير سياسي سطحي وإن كان من الأهمية بمكان، فإنه لابد من إصلاح شامل كما نص على ذلك الوحي.

وقد استوقفتني إشارة رائعة في الكتاب يقول فيها آلِ رشي: «فالإسلام يقر بالإصلاح المتدرج، وليس العنف والثورة التي تفضي إلى الفتن. كما لا أؤمن أن الثورة كاشفة، ولا خافضة، ولا رافعة، ولا قيمة لها مجردة من قيمها، فهي بحد ذاتها قد أهينت من قبل الأدعياء الكثر».

كما أنني أصنف حسب تجربتي المتواضعة هذا الكتاب ضمن الكتب ذات البعد العقدي وذات البناء الثقافي الإصلاحي الترميمي، الذي يؤسس قواعد حضارية مهمة في كل بناء رشيد يستلهم في جنباته أبعاد النماء الاستخلافي في الأرض، فكل بناء لا تقوم أسسه على قواعد التحرير الحقيقي والانعتاق فمآله للانهيار، وتلك شرعة السماء منذ الخليل الذي أسس قواعده منذ القدم.

يقول الشاعر والفيلسوف محمد إقبال: «نحتُ أصنام آزر صنعة العاجز الذليل… والذي يطلب العلا حسبه صنعة الخليل».

وهكذا نحى هذا الكتاب منحى العقيدة التحريرية للأنفس وللشعوب، كما أنه أكد أن هذا التأسيس ليس عملية إحلال وإبدال لأنماط المتسلطين، بل هو عملية تغييرية في ثقافة المجتمع برمته.

إنني لو أعطيت خيارًا بأن أضع آية قرآنية تعبر عن مكنون الكتاب لذكرت الآية الجليلة: «لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ يَحفَظونَهُ مِن أَمرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَومٍ سوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُم مِن دونِهِ مِن والٍ».

فالكتاب ليست غايته تغيير الحاكم فهو ليس كتابًا سياسيًا، بل غايته تغيير بنية الوعي الثقافي بالنسبة للحكم نفسه، فهو كتاب في نظرية المعرفة الإصلاحية لا كتابًا يحمل طابع المؤسسة، رغم أن شاويش لاحظ فيه ملاحظة مزدوجة فذكر أنه جمع بين فكر شريعتي التحرري وفكر بن نبي المؤسسي، وإن كان كل من شريعتي وبن نبي يحملان روحًا من بعضهما البعض.

كما تطرق الكتاب لعبء التاريخ المثقل بالطوام المنحرفة عن الوحي وعن قيمه، والتي رسخت للحط من قيمة الناس وإخضاعهم لمنطق الاستبداد وآلياته وثقافته المتغلبة بالبطش، وتلك إشارة مهمة في سبيل التحرر لله حنفاء.

وقد ذكر آلِ رشي تمثُل ثقافة الحط في عدة أمور منها:

  1. الميول الاستعلائية والزاجرة والتهديد بالطرد وقطع الأرزاق والنبذ وخراب البيوت والوعيد بالويل والثبور، من قبل سلسلة المتسلطين على اختلاف مراتبهم، ويقابلها الخوف والرضوخ والاسترحام.
  2. ترسيخ اللاوعي الثقافي الاستعلائي – الإستبدادي. ويقابلها ثقافة الندب والنواح والشكوى من جور الزمان في الأغاني الشعبية. وثقافة الجبرية وضرورة الاستسلام للأقدار، وأمثالها.

كما يبدو لي الكتاب استئناف لما بدأه الكواكبي في رحلته العميقة وبحثه عن الدَّاء الذي أصاب جسد الأمة وفكك بُناها وعراها. فقد توصل الكواكبي إلى أن جزر المشكلة هو الاستبداد، لكن ثوار الأمة الْيَوْمَ أو كثير منهم لم يدركوا مكمن الدواء وإن أدركوا موطن الداء. فهم ثاروا على الاستبداد، إلا أنهم سربوا قيمه إليهم، فلم يكونوا مصلحين حقيقيين بمصطلح القرآن وتعجلوا الثمار واستهوتهم نفس أهواء المستبدين. وكما يُقال: «كثيرٌ ما يعود الاستبداد محمولًا على أكتاف من ثاروا عليه».

وتوصل الكتاب لنتيجة منطقية تتماهى مع قواعد التغيير وسنن الله الغلاّبة التي لا تجامل، والنتيجة هي «أن مجرد خلع المستبد لا يُحدث التحرر، كما أظهرته سلسلة الإنقلابات العسكرية، وتغيير الأنظمة التي شهدتها العديد من البلاد العربية. وإنما لابد من أن يصيب الثوابت المتوهمة فيكشفها ويتصدى لها».

إن عقلية السيد وما تعانيه المجتمعات من ذهنية العبودية والرضوخ والاستسلام هي أولى شفرات التحرر التي ينبغي أن تحل، وكذلك تأسست عقيدة التوحيد لله وإفراده بالعبودية.

والمجتمعات الحرة تتناصح وتنتشر فيها قيم النصح بصورة أقوى من مجتمعات العبيد التي يغلب عليها الخوف والحذر والنفاق، وتكثر فيها علل التدين وينبت فيها الغش والخداع والاستضعاف للضعفاء وسيادة منطق القوي لا منطق الإنسان وقيمه وأخلاقه.

كما تطرق واستأنف الكتاب كثيرًا مما بدأه شريعتي خاصة في قضية الاستحمار وذهنية المجتمع المستحمر أو المجتمع القابل للاستحمار فذكر بعض الصفات الدالة على قابلية مجتمع ما للاستحمار نذكر منها:

  1. العقلية التبريرية التي تبرر ولا تعلل وتبحث عن تحميل غير الأخطاء فالله هو المسؤول أو الإستعمار أو الصليبيين ولا تحميل للذات أو مراجعة وتقييم.
  2. يتم تعطيل ديانة المجتمع وهويته والسيطرة على وعيه من خلال التشكيك بإيمانه وحبس معتقده من التفعيل والتأثير على الواقع.
  3. عدم التفكير بالأمور والنزوع إلى المزاجية ولغة الإنشاء والتعميمات اللامنطقية.
  4. فقدان الطموح لدى الإنسان في ذلك المجتمع وغياب الثقة في هويته.
  5. تضييع الزمن وغياب التخطيط.
  6. انتشار الخرافة والأوهام.

كما أودّ أن أختم بنتيجة مهمة جدًا من نتائج هذا الكتاب ويمكن أن تصوغها في شكل سؤل وهو: هل أن سبب ما نحن فيه الْيَوْمَ هو الدين؟

والنتيجة ببساطة «أن السبب ليس في الدين إنما في السلطة التي توظف الدين لخدمة مصالحها وضمان بقائها.. فتاريخ المنطقة يحدثنا أن كل السلطات التي حكمتنا على مدى أكثر من 1400 عام، كانت ظالمة وديكتاتورية وأنها كانت تحكم بإسم الدين. ولكن معظم الثورات التي قامت ضد هذه السلطات ثارت أيضًا بإسم الدين، فإذا كان الدين واحد فكيف يكون له تفسيران متناقضان؟ وكيف يكون له ممثلان؟».

كما يقول الكاتب: «إن تاريخ الحرية هو تاريخ نشوء الأديان، وأنه بفضل الأديان تحرر ملايين البشر من العبودية، ولكنها خلفت عبوديات أخرى بما فيها عبودية السلطة التي يأمر رجال الدين فيها إطاعتها حتى لو كانت ظالمة».

إننا نتوصل لنتيجة منطقية وهي أن العلة في المتدينين – أي الذي يتحدثون باسم الدين – وليست العلة في الدين الذي حرر الشعوب من قبل وأقام دعائم القسط بالوحي وأقام الحجة البينة على البشرية جمعاء.

إن ذلك تعريف متواضع بالكتاب، فلا ندعي أننا تناولناه بصورة منصفة وندعو للتوقف معه وقراءته بتأني. كما أرجو الله تعالى أن يبارك في هذا الجهد الذي قام به أستاذ علاء الدين، وقد عودنا بجهوده المبذولة في هذا المجال المعرفي الذي دائمًا نتعطش إليه. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد